تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٧١ - فصل
تقضّي الآجال لكونه دائم الاستحالة و الدثور في الأحوال. و حمل الحيوة الثانية على الروح الإنساني القابل للبقاء الاخروي المشار إليه بقوله: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ [٢٣/ ١٤].
فعلى هذا قد انكشف إنّ للإنسان استحالات من حالة إلى اخرى، و إنّ في ذاته جوهرا سالكا بحسب الفطرة التي فطره اللّه عليها منتقلا من صورة إلى صورة، و لكلّ صورة تصوّر بها غاية حقيقيّة انتقل إليها من تلك الصورة. و قد ثبت في العلوم الإلهيّة إن للأشياء الجوهريّة الفطريّة غايات يتوجّه إليها، و تلك الغايات يجب أن تكون من جنس ذويها و أشرف منها.
فلا بدّ أن تكون للروح الإنساني غاية يتوجّه إليها بحسب ما أودع اللّه في جبلّتها، و يجب أن تكون غايتها من جنسها و أشرف منها كما مرّ.
و هي لا تتحقّق إلّا في نشأة اخرى. و ذلك لأنّ النفس الإنسانيّة آخر درجات هذا العالم الشهادي الحسّي، و أول درجات العالم الغيبي الاخروي، فكأنّها برزخ جامع بين العالمين، حجاب حاجز بين الدارين، و باب في سور مضروب به بين النشأتين، فتمامها و غايتها لا بدّ و أن يحصل لها من الارتحال من هذه النشأة إلى اخرى، فلها انسياق جبليّ من الدنيا إلى العقبى.
و إلى هذا الانسياق أشار بقوله: وَ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ [٥٠/ ٢١] أي سائق يسوقها إلى محشرها، و شاهد يشهد عليها بعملها و في الآخرة درجات متفاضلات و منازل متفاوتات لمن هو أهلها.
و رابعها إنّها دالّة على وجوب الزهد في الدنيا لأنّه قال: فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ فبيّن إنّه لا بدّ من الموت، ثمّ إنّه لا يترك على هذا الموت بل لا بدّ من الرجوع إليه أما إنّه لا بدّ من الموت، فقد أشار إليها في كثير من الآيات التي ذكر فيها بدايات خلقة الإنسان.
و
في كلام أمير المؤمنين و إمام الموحّدين- عليه السّلام منّا و من الملائكة