تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٠ - فصل
فإذا أعرض الروح عن الجسم بالكلّية زال بزواله جميع القوى و الحيوة، و هو المعبّر عنه بالموت، كظلام الليل بمغيب الشمس.
و أمّا النوم فليس بإعراض كلّي، و إنّما هي حجب أبخرة تحول بين القوى و بين مدركاته الحسيّة مع وجود الحيوة في النائم، كالشمس إذا حالت السجب بينها و بين موضع خاصّ من الأرض يكون الضوء موجودا كالحيوة، و إن لم يقع إدراك الشمس لذلك الموضع، فكما إنّ الشمس إذا فارقت هذا الموضع من الأرض و جاء الليل بدلا منه (ظ: منها) ظهر في موضع آخر بنوره أضاء به ذلك الموضع كذلك الروح إذا أعرض عن هذا الجسم الذي كان حياته به تجلّى على صورة من الصور الذي هو البرزخ، و هو بالصاد جمع «صورة» فحيّيت به تلك الصورة في البرزخ، كما
قال النبي صلّى اللّه عليه و آله في نسمة المؤمن: «إنّه طير أخضر» [١]
فذلك الطير كالجسم هاهنا حيّيت بهذا الروح الذي كان يحيى به هذا الجسم، و كما يطلع الشمس في اليوم الثاني علينا فيستنير الموجودات بنورها كذلك الروح يطلع في اليوم الآخر على هذه الأجسام الميتة فيحيى به، فذلك هو البعث و النشر.
و ثالثها إنّها دالّة على صحّة البعث مع التنبيه العقلي على صحّته و وجوبه جميعا.
أمّا الصحّة و الإمكان فإنّ من قدر على الإحياء أولا قدر عليه ثانيا.
و أمّا الوجوب و الحقيّة فإنّ من الناس من حمل الموتة الاولى على مادّة البدن كالعناصر و الأغذية و الأخلاط و النطف و المضغة- مخلّقة و غير مخلّقة-. و حمل الحيوة الاولى على الأرواح الحيوانيّة التي بها السمع و البصر، كما في قوله:
فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً [٧٦/ ٢] و يقع فيها الاشتراك بين الإنسان و سائر الحيوان و حمل الموتة الثانية على حامل القوّة الحيوانيّة الذي يعرض له الموت لا محالة عند
[١]
في ابن ماجة: كتاب الزهد باب ٣٢ ص ١٤٢٨: «إنّما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة ...»
راجع أيضا ما جاء في الكافي: ٣: ٢٤٤.