تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٩ - فصل
فصل
اعلم إنّ في هذه الآية إشارات و تنبيهات إلى أسرار عقليّة:
أحدها إن في إسناد الإماتات و الإحياءات إلى اللّه إشارة لطيفة إلى أنّ هذه التحوّلات و الانتقالات امور طبيعية صادرة بتسخير ٩٨ اللّه تعالى جوهرا ٩٩ شأنه هذه التقليبات و التحريكات؛ لا إنّها امور اتّفاقيّة صادرة بأسباب اتّفاقيّة، أو إن المؤثّر في الحيوة و الموت طبائع الأفلاك و الكواكب او الأمزجة و الأركان، كما هو قول أهل الطباع و الدهريّة- على ما حكى اللّه عنهم بقوله: ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ [٤٥/ ٢٤]؛ و لا إنّ الإنسان من بدو ولادته إلى أوان موته على جوهر واحد و هويّة واحدة من غير تحوّل و ارتحال- كما زعمه الناس.
و ثانيها: ان الاية دالة على أن الموت طبيعي لكل أحد، و ان معناه و منشأه ليس كما فهمه الأطباء و الطبيعيون من أنه أمر يعرض أولا للبدن من جهة نفود قوته الطبيعية، و زوال حرارته الغريزية، ثمّ بواسطته ينقطع تعلق النفس عنه، و ما ذكروه ليس بمعتمد عليه و لا هو بحقّ.
بل الحقّ إنّ الموت الطبيعي عبارة عن تمام توجّه النفس من هذه النشأة إلى عالم الآخرة بالذات و إعراضها عن البدن، فيطرأ عليه الهلاك لأجل ذلك الأعراض بالعرض، فزوال الحرارة و بطلان قوّة الحسّ و الحركة عن البدن مسبّب عن توجّه النفس حركة جبلّية إلى ما عند اللّه، لا إنّ الأمر بالعكس- كما هو المشهور.
قال بعض المحقّقين من أهل الكشف و العرفان: اعلم إنّ القوى التي في الإنسان و في كلّ حيوان من قوى الحسّ و الحركة و غيرها- كالخيال و الحفظ و المصوّرة كلها المنسوبة إلى سائر الأجسام علوا و سفلا إنّما هي للروح، يكون بوجوده و إعطائه الحيوة لذلك الجسم، و ينعدم فيه ما ينعدم بتولّيه عن ذلك الجسم من ذلك الوجه الذي يكون عنه تلك القوّة الخاصّة- فافهم.