تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٥ - فصل تحقيق في الموت و الحيوة
و سمّي الحشر رجوعا إليه لأنّه رجوع إلى حيث لا يتولّى الحكم فيه أحد غير اللّه، كما يقال: «رجع القوم إلى الأمير» أي أمر القوم إلى حكمه.
فهذه هي الوجوه التي ذكرها علماء التفسير [١] و سيأتيك كشف بعض ما فيها.
و الوجه في كون العطف الأول ب «الفاء» و الثواني ب «ثمّ» لأنّ الأول متّصل ٧٠ بما عطف عليه غير متراخ عنه ٧١ بخلاف الأعقاب. و تقديم نعمة الحيوة في الذكر على سائر النعم المذكورة لتقدّمها طبعا و لكونها مما يتمكّن به الإنسان من الانتفاع و الالتذاذ بغيرها.
ثمّ إنّ الاتّفاق مع إنّه قد وقع على أنّ المراد من قوله: وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً إمّا التراب- كما في خلق آدم أبى البشر- و إمّا النطف- كما في خلق أولاده ما خلا عيسى عليه السّلام- و لكن اختلفوا في أنّ إطلاق اسم الميّت على الجماد حقيقة او مجاز؟
و الأكثرون على أنّه مجاز، لأنّه شبّه الموات ٧٢ بالميّت، لأن الموت عدم الحيوة عمّا من شأنه أن يقبل الحيوة بما فيه من اللحمية و الرطوبة، و الحمل على الحقيقة أولى، كما دلّ عليه ظاهر هذه الآية و غيرها، إذ لا داعي للعدول عن الحقيقة، و أمّا القوة المأخوذة في أعدام الملكات فهي قد تكون بحسب الجنس، كما في عمى العقرب، فجنس الجماد و النبات- و هو الجسم الطبيعي- فيه قوّة قبول الحيوة. ٧٣ و اعلم إن الحيوة في المشهور عند الجمهور حقيقة في القوّة الحساسة أو ما يقتضيها، و بها سمّي الحيوان «حيوانا» و يطلق على القوّة النامية مجازا لأنّها من طلائعها و مقدّماتها، و على ما يختصّ بالإنسان من الفضائل كالعقل و العلم و الايمان من حيث إنّه غايتها و كمالها.
[١] راجع مجمع البيان: ١/ ١٧.