تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٦ - فصل تأويل قوله تعالى «ما أمر الله به أن يوصل»
عهد أخذه على جميع ذرية آدم بأن يقرّوا بربوبيّته لسانا و اعترافا، كما اقرّوا به فطرة و حقيقة و شهودا عقليّا، كما أخبر عنه تعالى بقوله: قالُوا بَلى شَهِدْنا [٧/ ١٧٢].
و عهد خصّ به النبيّين أن يقيموا الدين، و لا تتفرّقوا و يبلّغوا الرسالة إلى الخلق أجمعين، كما في قوله: وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ [٣٣/ ٧].
و عهد خصّ به العلماء بأن ينصّوا الحقّ و لا يكتموه، و هو قوله: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ [٣/ ١٨٧].
فصل [تأويل قوله تعالى: «ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ»]
الضمير في قوله مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ راجع إلى العهد.
و «الميثاق» صيغة مصدر أريد بها ما يقع به الوثاقة أي الإحكام و المراد به أمّا من قبل اللّه فيما وثّق اللّه به عهده من إنزال الآيات ٥٨ و الكتب، و أما من قبلهم فبما وثّقوه من القبول و الالتزام و الاستعداد، و يحتمل أن يراد بها المعنى المصدري.
و كلمة «من» ابتدائية، لأنّ ابتداء النقض كان بعد الميثاق، إذ لو كان قبله لم يستحقّوا الذمّ هذا المبلغ، و فيه إشارة إلى أنّ أولئك الضالّين ٥٩ بعد أن حصّلوا مقدمات علم التوحيد و وصلوا إلى مرتبة يستعدّوا بها لإدراك المعرفة و اليقين رجعوا إلى مقام الجحود و الإنكار طلبا للرئاسة و الجاه، و ترفّعا عن قبول التعلّم، و إعراضا عن سماع الآيات و انهماكا في طلب اللذات، حتى صاروا قواطع طريق الحقّ.
فقوله: وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ معناه: إنّهم كانوا يقطعون على من هو بصدد السلوك على طريق الحقّ و المشي على صراط التوحيد سبيلهم بإفساد عقائدهم بالشبه المضلّة و انكار المعجزات النبويّة و القدح في حقيّة العلوم الإلهية و الآيات و الحال انّهم أمروا أن يوصلوا طريق الحقّ و التوحيد و يصلوا رحم القرابة الايمانية