تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٥ - فصل
ثمّ نظر إلى السابقين ٤٧ بنظر المحبّة و جعلهم قابلين لنور المحبّة، كما في قوله:
يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ [٥/ ٥٤] و نوّر سمعهم و أبصارهم و أفئدتهم بأنوار اللطف و الكرامة». فلما قال لهم: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ فسمعوا الخطاب ٤٨ بالسمع المنوّر و شاهدوا الجمال بالأبصار المنوّرة، و أحبّوا لقائه بالقلوب المنوّرة، فأجابوه بلسان المحبّة يقينا حقّا و ايمانا و تسليما و تعبّدا ورقّا.
و أمّا أصحاب اليمين فسمعوا الخطاب بسمع القابليّة ٤٩ و أبصروا الشواهد بالأبصار الخالية عن الغشاوة، و فهموا ٥٠ تعريف الوحدانيّة بالقلوب الصافية، فأجابوه بلسان الايمان ٥١ تعبّدا ورقّا، و قالوا: بَلى أنت ربّنا و معبودنا. ٥٢ و أمّا أصحاب الشمال فامتحنوا بإظهار العزّة ٥٣ و العلى، و احتجبوا برداء الغيرة ٥٤ و الكبرياء، فسمعوا الخطاب من وراء الحجاب، و على السمع وقر البعد، و على الأبصار غشاوة الحجب الظلمانيّة، و في القلوب ختم الظلمة ٥٥ لأنها في أكنّة العزّة، فلم يسمعوه بسمع القبول و الطاعة، فأجابوا ٥٦ بلسان الإقرار جبرا و اضطرارا ٥٧ و دهشة و افتقارا.
فقد انكشف لك إنّ لأفراد البشر قبل ورودهم إلى الدنيا هويّات عقليّة مستخرجة من ظهر أبيهم العقلي، فتجلّى اللّه عليهم قبل وجودهم، و ربّاهم، و شاهدوه بلاهم، و سمعوا خطابه، و أجابوه إقرارا بوحدانيّته و ربوبيّته في نشأة سابقة على هذه النشأة لهم.
فصل
و اعلم إن للّه تعالى عهدا عامّا أخذه على جميع الموجودات، و هو أن يطيعوه و يعبدوه و يسبّحوه و يعظّموه، لأنّ الكلّ حيّ قائم ناطق بحياة سارية في الأشياء من الحيّ القيّوم، و نور يفيض عليها من نور اللّه الفائض على السموات و الأرض. و عهودا مخصوصة و هي ثلاثة أجناس: