تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٤ - ما هو«عهد الله»؟
يرتقي إلى جوار اللّه و مقام قاب قوسين و مقام المكالمة الحقيقية، و إلى حيث
يقول [١]: «من رآني فقد رأى الحقّ»
و
يقول: «لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرب و لا نبيّ مرسل».
٤١ ثمّ لا يخفى على اولى النهي إنّا لا نجد و لا ندري ٤٢ انّ اللّه تعالى ذكر إنّه كلّم أحدا و هو بعد لم يجيء إلى عالم الكون إلّا بني آدم، فإنّه كلّمهم و هم بعد غير موجودين في العالم، و أجابوه و هم لم يتولدوا و لم يحدثوا بعد، فجرى لهم بالجود الربّاني ٤٣ ما جرى لا بالوجود الإنساني- و إلى ذلك المقام سينتهي المنتهى بأن يكون سمعه و بصره و لسانه كما
قال في الحديث القدسي [٢]: «كنت له سمعا و بصرا و لسانا، فبي يسمع و بي يبصروبي ينطق»
و إلى هذا أشار الجنيد حين سئل: «ما النهاية؟» فقال: «الرجوع إلى البداية».
و أما معنى قطع هذا الميثاق و نقض العهد الواقع في البداية فهو إنّ تلك الحقيقة الإنسانيّة الموجودة قبل هذه الأكوان الترابيّة في عالم الحضرة الربوبيّة كانت ذات جهات و حيثيّات عقليّة تضاعفت عليها من تضاعيف الإشراقات النورية الوجبيّة و تضاعيف النقائص ٤٤ الإمكانيّة، و كثرة الازدواجات الحاصلة بين جهات النور و الظلمة و الوجوب و الإمكان، و الكمال و النقصان.
فهذه الجهات العقليّة هي أسباب كثرة الأكوان لأفراد الإنسان، و هي المعبّر عنها بالذرّات المستخرجة بحسب الفطرة، فإنّه استخرج اللّه من ظهر آدم ٤٥ ذرات بنيه، و استخرج ايضا من ظهورهم ذريّات ذريّاتهم المودعة فيها إلى يوم القيامة.
إذا تصورت هذا فاعلم إنّ المستمعين منهم للخطاب كانوا على ثلاث طبقات:
السابقون، و أصحاب اليمين، و أصحاب الشمال؛ و جعل اللّه لكلّ منهم سمعا و بصرا و فؤادا- على حسب حاله و مقامه. ٤٦
[١] البخاري: باب التعبير، ٩/ ٤٣.
[٢] الحديث معروف رواه العامة و الخاصة بألفاظ مختلفة.