تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٦ - فصل في الهداية و الإضلال
فيها دلالة على أن الإضلال عمّا ذا يكون، فنحن نحمله على أنّه عن طريق الجنّة، و هو اختيار الجبائي.
أقول: لا يخفى على من له بصيرة دينية إنّ طريق الجنة هو بعينه طريق المعرفة و اليقين و الضلال عنه بعينه ضلال عن الدين، و كذا المشي على صراط الجنّة هناك هو نفس السلوك لسبيل الحقّ هاهنا، و التفاوت بينهما ليس إلّا في الكمون و البروز و الخفاء و الكشف.
السابع: أن يحمل الهمزة لا على التعدية، بل على الوجدان كما مرّ ابتداء.
و أجيب بالمنع، و بأنّ اثبات هذه اللغة ممّا لا دليل عليه، سيّما و قد عدّي بالباء ٦ و الإضلال بمعنى الوجدان لا يتعدّى به.
الثامن: أن يكون هذا القول من تمام قول الكفّار، كأنهم قالوا: ما ذا أراد اللّه بهذا التمثيل الّذي لا يظهر فيه فائدة؟- ثمّ قالوا:- يضلّ به كثيرا و يهدي به كثيرا، ذكروه تهكّما، ثمّ قال تعالى جوابا لهم: و ما يضلّ به إلّا الفاسقين. أي ما أضلّ إلّا الفاسق. و أجيب عنه بوجهين:
أحدهما إنّه يوجب تعليل النظم، لأنّ قوله: وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ كلام اللّه من غير فصل بينهما، بل مع واو العطف، على أن الفاعل فيه ضمير مستتر عائد إليه تعالى، و «الفاسقين» مفعوله، و ضمير «به» راجع إلى «أن يضرب مثلا» او إلى المثل نفسه، فالإشكال باق.
و ثانيهما: هب إنّه هاهنا كذلك، لكنّه ما يصنعون بقوله في المدثر: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [٧٤/ ٣١] إذ لا شكّ إنّه قول اللّه تعالى؟
قالت الجبريّة في هذا المقام- مداراة مع أهل الاعتزال [١]-: لقد سمعنا كلامكم و اعترفنا بجودة الإيراد و حسن الترتيب و قوّة الكلام، و لكن ما ذا نعمل
[١] تفسير الفخر الرازي: ١/ ٣٦٠.