تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢١٧ - فصل في الهداية و الإضلال
فصل [في الهداية و الإضلال]
اعلم إن مسألة إسناد الإضلال و ما يجري مجراه إلى اللّه في هذه الآية و في غيرها صارت معارك للآراء و مصارع للأهواء، غرقت في بحارها أفهام الأكثرين، و لم ينج من مهاوي أنظارها إلّا أقلّ الأقلّين، فلنتكلّم هاهنا في تحقيق الإضلال كلاما مشبعا يكشف نقاب الارتياب و الامتراء، و يتجلّي به وجه المطلوب عن مكمن الاحتجاب و الاختفاء ليكون تحقيقه دستورا لغيره من الصفات الجارية مجراه، و أصلا مرجوعا إليه فيما يجيء من معاني الآيات النازلة من هذا الباب.
و لنذكر أولا ما ذكره أرباب الأفكار و أصحاب الأنظار من البحث و الإلزام و الردّ و الإبرام [١]، ثمّ نضيف إليها ما هو طريقة أهل الحكمة و التحقيق، ثمّ نذيل ذلك بإيراد لمعه من بوارق نور التجريد و قطرة من بحار عالم التأييد.
فنقول: قد ذكر أهل اللغة إن همزة الإفعال قد يجيء لتعدية غير المتعدّي كما في «خرج» و «أخرج» و قد يجيء لعكس ذلك فينقل المتعدي إلى غير المتعدّي كما في «كببته فأكبّ» و قد يجيء لمجرد الوجدان، تقول «أتيت أرض فلان فأعمرتها» أي: وجدتها عامرة.
إذا ثبت هذا فقولنا «أضلّه اللّه» لا يمكن حمله إلّا على وجهين:
أحدهما: صيّره ضالّا.
و الثاني: إنّه وجده ضالّا.
فعلى الأول إما أن يراد به «صيّره ضالّا عن الدين» او «صيّره ضالّا عن الجنّة» ثمّ إن معنى الإضلال عن الدين في عرف اللغة عبارة عن الدعاء إلى ترك الدين و تقبيحه في عينه، أو إيقاع الوسوسة في قلبه، و هذا هو الإضلال الذي أضافه اللّه تعالى إلى
[١] عمدة ما ذكر من الأقوال منقولة من تفسير الفخر الرازي: ١/ ٣٥٥.