تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢١٥ - فصل تحقيق في إرادته تعالى
جلّ ذكره- مراتب و منازل، و أخيرة مراتب الإرادة هي بعينها ذوات الموجودات الحادثة، بمعنى أن كلّا منها بهويّته مراد اللّه، و به يريد اللّه غيره، لأنّ به يتخصّص وجود ذلك الغير و يترجّح على عدمه، فكلّ منها إرادة و مراد باعتبارين، كما إنّه علم و معلوم باعتبارين.
فمراتب إرادته تعالى مضاهية لمراتب علومه، بل هي هي عند التحقيق، و إدراك هذا المقام يحتاج إلى تصفية الذهن و تجريده عن أنظار المعطّلين و أقاويل المبتدعين.
و لعلّ ما ذكرناه في توجيه كلامهم ممّا غفلوا عنه غفلة تامّة و ذهلوا عنه ذهولا عريضا، إلّا أن غرضنا في ذلك كشف الحقّ و دفع الباطل بأيّ وجه كان.
و لا يبعد أن كان لهؤلاء القوم أشياخ متقدّمون، و كانت لهم علوم صحيحة غامضة عن أفهام هؤلاء الآخرين، و لهم كلمات متوافقة المعاني و الرموز، متخالفة الظواهر لاختلاف عاداتهم في طريق التعليم و بيان الرمز و المتأخّرون حيث لم يبلغوا شأوهم و لم يصلوا إلى مقامهم حرّفوا الكلم عن مواضعها و ذهبوا إلى ما ذهبوا و سلكوا طريق الجدال و شحنوا كتبهم بمثل هذه الأقوال زعما منهم إن في ذلك نصرة الدين إلّا انّهم حرّكوا سلسلة الشياطين، و خذلوا و أذلّوا اولياء اليقين، و أضاعوا سيرة السالكين في مناهج الآخرة، و مسالك الدين.
و اعلم إن الكلام في صفاته تعالى طويل، و تحقيق عينيّتها لذاته تعالى، أو غيريّتها له تعالى غامض دقيق، قد مرّت إليه إشارة في المفاتيح الغيبيّة و سيقع الرجوع إلى تحقيقها مرّة بعد اخرى زيادة في التوضيح و إبلاغا في التذكير و التنقيح.
قوله جلّ اسمه: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً يحتمل أن يكون جوابا «ما ذا» على أنهما مصدران، أي: إضلال كثير و هداية كثيرة؛ و إنّما وضع الفعل موضع المصدر للإشعار بالحدوث و التجدّد، فإنّه لمّا حكى اللّه عنهم استحقارهم