تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨٣ - هداية
التي كانت حاصلة لي في الدنيا لكن اشتدّت لذّتها في الآخرة لما اشتدّ وجودها ظهورا لزوال العائق.
و معناها على لسان أهل الكشف إن جميع ما في الدنيا من الثمار و غيرها هي قشور و قوالب و أمثلة لما في الآخرة، و ما في الآخرة لبوب و حقائق لما في الدنيا لتطابق العوالم بعضها لبعض و تحاذيها حذو النعل بالنعل.
و لمّا كان وجود الصور المحسوسة التي في الدنيا هي بعينها مبادي حضور الصور التي يدركها الإنسان في باطنه و خياله- لما تقرّر إنّ فاقد الحس لشيء فاقد التصوّر له- و الإنسان إذا أدرك و اختبر لذات هذا العالم ثمّ زهد فيها- او تناولها بقدر الحاجة و لم يسرف- حصل في نفسه بواسطة التقوى قوّة عظيمة يكاد بها أن يحضرها عند نفسه متى شاء، لكن القوّة غير شديدة ما دام كونه في هذا العالم و شواغله، فإذا خرج عن هذا العالم و زال العائق يجد في الآخرة ما تشتهي نفسه و تلذّ عينه لقوّة الشهوة و شدّة الرغبة، و كون الافاضة و الرحمة من اللّه مبذولة و العوائق مرتفعة؛ فكلّ ما اشتهاه في الدنيا يجده مرزوقا عنده في الآخرة فيقول: «هذا الّذي رزقنا من قبل».
فهذا المسلك لإثبات الجنّة الجسمانيّة، و الأول لإثبات الروحانيّة؛ و الاولى جنّة العلوم، و الثانية جنّة الأعمال؛ و الأولى للروح العقلي و الثانية للنفس العمليّة.
قوله تعالى: وَ أُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً موقعه موقع الجمل التي تساق في الكلام معترضة للتقرير، كقولك: «نعم ما فعل زيد و رأى و كان صوابا» تصديقا لرأيه.
و الضمير على الأول [١] راجع إلى ما رزقوا في الدنيا و الآخرة، و المرجع نوع المدلول عليه بقوله: هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ او شخصه من حيث الماهية
[١] أي: على الأول من القولين الماضيين في قوله تعالى: «هذا الذي رزقنا من قبل» المنقول عن ابن عباس و ابن مسعود بأن المشير
إليه في الآية ما رزقوا قبل ذلك من أرزاق الدنيا. و القول الثاني: انه من أرزاق
الجنة.