تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨٢ - هداية
رزقنا من قبل» و لا يتاتّى لهم هذا القول في أول ما أوتوا به، إلا أن يكون إشارة إلى ما تقدّم رزقه في الدنيا.
و ثانيهما إن الإنسان بالمألوف آنس، و إلى المعهود أميل، فإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه، ثمّ إذا ظفر بشيء من نوع معهوده و مألوفه على وجه أشرف و أبهى مما ألفه عظم ابتهاجه و سروره، فأهل الجنة إذا أبصروا ما ألقوه في الدنيا ثمّ وجدوه أشرف و أبهى كان فرحهم به أشدّ و أعظم.
ثمّ القائلون بالقول الثاني اختلفوا فمنهم من يقول: الاشتباه يقع في المنظر و المطعم و غيرهما، و منهم من يقول: الاشتباه و إن حصل في اللون لكنّها تكون مختلفة في الطعم، كما حكي عن الحسن إن أحدهم يؤتى بالصفحة فيأكل منها، ثمّ يؤتي بأخرى فيراها مثل الأول، فيقول الملك «كل- فاللون واحد و الطعم مختلف»
هداية:
و اعلم إن في تحقيق الآية طريقين آخرين أحدهما مسلك الحكماء ذوي الإعتبار، و الثاني مسلك أهل الكشف و الاستبصار.
فمعناها على لسان الحكمة إنّ السعادة القصوى ليس إلّا في معرفة ذات اللّه عزّ و جلّ، و معرفة صفاته، و معرفة أفعاله من الملائكة الكرّوبيّة و الروحانيّة، و طبقات الأرواح و عالم ملكوت السموات و الأرض؛ و بالجملة بحيث يصير روح العارف كمرآة مجلوّة يحاذى بها لعالم القدس.
ثمّ إنّ هذه المعارف تحصل في الدنيا و لا يحصل بها كمال الالتذاذ و الابتهاج لكون العلائق البدنيّة عائقة عن ظهور تلك السعادة و اللذّة، فإذا زالت هذه العوائق حصلت السعادة الكبرى و الغبطة العظمى، لأنّ المعرفة انقلبت مشاهدة، و العلم صار عيانا.
فحينئذ نقول: كلّ سعادة روحانيّة يجدها الإنسان بعد الموت فيقول هذه هي