تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٦٥ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ٢٥
و وجّه الاستدلال بالثالث بأنّ النار صاعدة بالطبع و الشجرة هابطة؛ و أيضا النار لطيفة نورانيّة و الشجرة كثيفة ظلمانية؛ و هي حارّة يابسة، و هذه باردة رطبة؛ فإذا أمسك اللّه تعالى في داخل الشجرة تلك الأجزاء النورانيّة الناريّة فقد جمع بقدرته هذه الأشياء المتنافرة، فإذا لم يعجز عن ذلك فكيف يعجز عن تركيب الحيوانات و تأليفها. و إنّه تعالى ذكر هذه الدلالة في سورة يس فقال: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً [٣٦/ ٨٠]- انتهى كلامه.
و لا يعجبني شيء من هذه الوجوه التي ذكرها في بيان الاستدلال بتلك الآيات على المعاد، لأنّ مبناها على إثبات القدرة بإبطال الحكمة، و الاستدلال على صحّة موارد النقل بهدم قواعد العقل، و تبديل سنّة اللّه في جريان الأشياء، و ليس ذلك ممّا يليق بأهل البصيرة و التحقيق، بل الحكمة تقتضي البعث، و الطبيعة تجري إلى غايات و تنتهي ببعض الأشياء كالإنسان إلى نشئات، و الحكماء الراسخون قد أثبتوا للطبائع غايات، و للأعمال مجازاة، و عليها مكافاة.
و لكلّ من الآيات المذكورة وجه وجيه حسن سنتكلّم فيه إن شاء اللّه [تعالى].
و الطريقة الرابعة:
قد هدى الناس فيها إلى حقيّة المعاد بذكره مرتّبا على ذكر المبدإ، و هذا باب واسع لأهل الاستبصار في تحقيق أحوال المعاد من أحوال المبدإ لما حقّق في مقامه إنّ سلسلة ترتيب الأشياء بداية كسلسلة ترتيبها نهاية، فبازاء كلّ مرتبة من مراتب إحداهما مرتبة نظيرته من الاخرى- على التكافؤ التعاكسي- إذ الوجود كلّه كدائرة ينعطف على نفسه و يدور على أصله، فمن إحدى النشأتين تعرف النشأة الاخرى، و بأحد العينين ينظر إلى ما في الثانية بما في الاولى.
فلا تنظر- أيّها الناظر في الأشياء- بالعين العوراء، كي تتجلى لك جليّة الحال في أسرار المبدإ و المآل، و تهتدي بنور الفطرة و الهداية إلى تحقيق الأحوال