تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٦٤ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ٢٥
و قال في قد أفلح بعد ذكر مراتب الخلقة: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ* ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ [٢٣/ ١٥- ١٦].
و قال في الطارق: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ* خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ إلى قوله: عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ [٨٦/ ٥- ٨].
أقول: و نحن بتأييد اللّه و نور توفيقه و إحسانه قررّنا آيات هذا المنهج على وجه أسدّ و أحكم و أنور و أقوم و أدلّ على سرّ المعاد و حشر الأجساد كما سيأتي بيانه من ذي قبل حيث يحين حينه إن شاء اللّه تعالى.
و بعضها للدلالة على قدرة الحكيم المريد القدير على ما يشاء و يريد، كقوله:
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ* أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [٥٦/ ٦٢- ٦٣] و قوله:
أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ* أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ [٥٦/ ٦٨] و قوله: أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ* أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ [٥٦/ ٧١- ٧٢] و لكلّ منها وجوه من البيان ليس هاهنا موضع ذكرها.
و وجّه الإمام الرازي [١] الاستدلال بالأوّل على هذا المطلب بأنّ الحبّ و أقسامه- على اختلاف طبائعها و أشكالها- إذا وقعت في الأرض النديّة و استولى عليها الماء و التراب، فالنظر العقلي يقتضي أن تتعفّن و تنفسد، ثمّ إنّه لا تفسد، بل تبقى محفوظة و تنمو و تزداد، تغوص بأصولها و عروقها في أعماق الأرض و تصعد بأفنانها و أوراقها إلى جهات السماء، ثمّ تخرج ثمارها و تنتج أمثالها.
و وجّه الاستدلال بالثاني بأن الماء جسم ثقيل بالطبع و اصعاد الثقيل أمر على خلاف الطبع، فلا بدّ من قادر قاهر يقهر الطبع، و يبطل الخاصيّة، و يصعد ما من شأنه الهبوط و النزول و كذا الحكم في اجتماعها بعد تفرّقها و تسييرها بالرياح الهابّة و إنزالها في مظانّ الحاجة و الأرض الجرز- و كلّ ذلك يدل على جواز الحشر.
[١] تفسير الفخر الرازي: ١/ ٣٤٢ ملخّصا.