تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٢٧ - فصل في بيان جهة إعجاز القرآن
و إذ تبيّن بطلان القسمين فثبت إنّ القرآن لا يماثل كلام سائر الفصحاء، و إن التفاوت بينه و بين كلامهم ليس تفاوتا معتادا، فهو إذا تفاوت خارج عن العادة، بالغ حدّ الإعجاز؛ فالقرآن إذن معجز.
فصل في بيان جهة إعجاز القرآن
اعلم إنّ الناس اختلفوا في وجه إعجاز القرآن، فالجمهور على أنّ ذلك لأجل كونه في الطبقة العليا من الفصاحة، و الدرجة القصوى من البلاغة على ما يعرفه فصحاء العرب بسليقتهم و علماء الفرق بمهارتهم في البيان، و إحاطتهم بأساليب الكلام.
هذا مع اشتماله على الإخبار عن المغيبات الماضية و الآتية، و على دقائق العلوم الإلهية و غوامض المعارف الربّانيّة و أحوال المبدإ و المعاد و الإرشاد إلى مكارم الأخلاق و إلى فنون الحكمة العمليّة و المصالح الدينيّة و الدنيويّة- على ما يظهر للمتدبّرين و يتجلّى للمتفكّرين؛ و على ما هو فوق هذا كلّه و وراء طور العقول- ممّا لا يظهر إلا للراسخين في علوم الأذواق، و المبتهجين بأنوار عالم الإشراق.
و ذهب من علمائنا الإماميّة السيّد المرتضى رضي اللّه عنه و عنهم- طباقا لكثير من المعتزلة: [إلى] أن إعجازه بالصرفة، و هي ان اللّه صرف همم المتحدين عن معارضته مع اقتدارهم عليها- و ذلك إمّا بسلب قدرتهم، او صرف دواعيهم، او سلب العلوم التي لا بدّ منها في الإتيان بمثل القرآن- بمعنى إنّها لم تكن حاصلة لهم، او بمعنى انها كانت كاملة حاصلة، فأزالها اللّه. و الأخير هو المختار عند المرتضى.
و احتجّوا على ذلك أوّلا: بأنّا نقطع بأنّ فصحاء العرب كانوا قادرين على التكلّم بمثل مفردات السورة و مركّباتها القصيرة،- مثل الْحَمْدُ لِلَّهِ و مثل رَبِّ الْعالَمِينَ و هكذا إلى الآخر، فيكونوا قادرين على الإتيان بمثل السورة.