تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١١٨ - فصل في مذاهب الذين جعلوا لله أندادا
فمنهم من اعتقد إنّها واجبة الوجود لذواتها، و هي التي خلقت هذه العوالم؛ و منهم من اعتقد إنها مخلوقة للّه الأكبر، إلّا إنها خالقة لهذا العالم، و إنها الوسائط بين اللّه و البشر، فلا جرم اشتغلوا بعبادتها و الخضوع لها؛ ثمّ لمّا رأوا الكواكب مستترة في أكثر الأوقات عن الأبصار، اتّخذوا لها أصناما، و أقبلوا على عبادتها قاصدين بتلك العبادة تلك الأجرام العالية، و متقرّبين إلى أشباحها الغائبة، و لمّا طالت المدّة تركوا ذكر الكواكب و تجرّدوا لعبادة تلك التماثيل، فهم بالحقيقة عبدة الكواكب كالصابئة، إلّا إنّهم أدون منزلة منها- نسبتهم إلى الصابئة نسبة الطبيعيّة إلى الدهريّة.
و ثالثها: إن أصحاب الأحكام يرتقبون أوقاتا في السنين المتطاولة نحو الألف و الألفين، و يزعمون إن من اتّخذ طلسما في ذلك الوقت على وجه خاصّ فإنّه ينتفع به في أوقات مخصوصة نحو السعادة و الخصب و دفع الآفات، و كانوا إذا اتّخذوا ذلك الطلسم عظّموه، لاعتقادهم إنّهم ينتفعون به، فلمّا بالغوا في ذلك التعظيم صار ذلك كالعبادة، ثمّ نسوا مبدأ الأمر بتطاول المدّة و اشتغلوا بعبادتها.
و رابعها: إنّه متى مات منهم رجل كبير يعتقدون فيه إنّه مجاب الدعوة و مقبول الشفاعة عند اللّه اتّخذوا صنما على صورته و عبدوها على اعتقاد إنه ذلك الإنسان يكون شفيعا لهم يوم القيامة عند اللّه تعالى و يَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [١٠/ ١٨] و خامسها: لعلّهم اتّخذوها قبلة لصلواتهم و طاعاتهم و يسجدون إليها- لا لها- كما أنّا نسجد إلى القبلة- لا للقبلة- و لما استمرّت هذه الحالة ظنّ جهّال القوم إنّه يجب عبادتها.
و سادسها: لعلّهم كانوا من المجسّمة، فاعتقدوا جواز حلول الربّ فيها، فعبدوها على هذا التأويل.
فهذه هي الوجوه التي يمكن حمل مذهبهم عليها حتى لا يصير بحيث يعلم بطلانها بالضرورة.