الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٠ - يوم عنيزة
فقال: است [١] أخيك أضيق من ذلك. و زعم مقاتل: أنّ همّاما كان اخى مهلهلا و كان عاقده ألّا يكتمه شيئا؛ فكانا جالسين، فمرّ جسّاس يركض به فرسه مخرجا فخذيه؛ فقال همّام: إنّ له لأمرا، و اللّه ما رأيته كاشفا فخذيه قطّ في ركض؛ فلم يلبث إلا قليلا حتى جاءته الخادم فسارّته أنّ جسّاسا قتل كليبا؛ فقال له مهلهل: ما أخبرتك؟ قال:
أخبرتني أن أخي قتل أخاك؛ قال: هو أضيق استا من ذلك. و تحمّل القوم، و غدا مهلهل بالخيل.
و قال المفضّل في خبره: فلما قتل كليب قالت بنو تغلب بعضهم لبعض: لا تعجلوا على إخوتكم حتى تعذروا بينكم و بينهم؛ فانطلق رهط من أشرافهم و ذوي أسنانهم حتى أتوا مرّة بن ذهل،/ فعظّموا ما بينهم و بينه، و قالوا له:
اختر منّا خصالا: إمّا أن تدفع إلينا جسّاسا فنقتله بصاحبنا فلم يظلم من قتل قاتله، و إمّا أن تدفع إلينا همّاما، و إمّا أن تقيدنا من نفسك؛ فسكت، و قد حضرته وجوه بني بكر بن وائل فقالوا: تكلّم غير مخذول؛ فقال: أمّا جسّاس فغلام حديث السنّ ركب رأسه فهرب حين خاف فلا علم لي به، و أمّا همّام فأبو عشرة و أخو عشرة [٢]، و لو دفعته إليكم لصيّح [٣] بنوه في وجهي و قالوا: دفعت أبانا للقتل بجريرة غيره؛ و أمّا أنا فلا أتعجل الموت، و هل تزيد الخيل على أن تجول جولة فأكون أوّل قتيل! و لكن هل لكم في غير ذلك؟ هؤلاء بنيّ، فدونكم أحدهم فاقتلوه به، و إن شئتم فلكم ألف ناقة تضمنها/ لكم بكر بن وائل؛ فغضبوا و قالوا: إنّا لم نأتك لترذل [٤] لنا بنيك و لا لتسومنا اللبن؛ فتفرّقوا، و وقعت الحرب. و تكلّم في ذلك عند الحارث بن عباد، فقال: «لا ناقة لي في هذا و لا جمل»، و هو أوّل من قالها و أرسلها مثلا.
يوم عنيزة:
قالوا جميعا: كانت حربهم أربعين سنة، فيهنّ خمس وقعات مزاحفات، و كانت تكون بينهم مغاورات [٥]، و كان الرجل يلقى الرجل و الرجلان الرجلين و نحو هذا. و كان أوّل تلك الأيام يوم عنيزة، و هي عند فلجة، فتكافئوا فيه لا لبكر و لا لتغلب؛ و تصديق ذلك قول مهلهل:
يوم عنيزة:
كأنّا غدوة و بنى أبينا
بجنب عنيزة رحيا مدير
و لو لا الريح أسمع من بحجر [٦]
صليل البيض تقرع بالذّكور
[١] تضرب العرب ضيق الاست مثلا في الذلة و الضعف. قال في «اللسان»: «و يقال للرجل الذي يستذل و يستضعف: است أمك أضيق و استك أضيق من أن تفعل كذا و كذا».
[٢] في «أمثال العرب» للمفضل الضبي (المطبوع بمطبعة الجوائب بالقسطنطينية سنة ١٣٠٠ ه ص ٥٦) زيادة: «و عم عشرة» بعد قوله:
«... و أخو عشرة».
[٣] صيح الرجل: بالغ في الصياح.
[٤] كذا في ط، ء و أمثال العرب للمفضل الضبي، و فسرها بقوله: «أي تعطينا رذال بنيك». و رذال الشيء (بالضم): أردؤه. و في باقي الأصول: «لتؤدّي لنا بنيك»، و هو تحريف.
[٥] يقال: غاور القوم إذا أغار بعضهم على بعض.
[٦] فسر أبو علي القالي في «أماليه» (ج ٢ ص ١٣٤ طبعة دار الكتب المصرية) «حجرا» بأنها قصبة اليمامة، و ضبطها «القاموس» بالفتح، و وردت مضبوطة في ط بالضم، و حجر (بالضم): موضع باليمن. و الصليل: الصوت. و الذكور: السيوف.