الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٣٦ - كاده مخارق عند الواثق فغضب عليه و لما عرف الحق من أمره رضي عنه
/
حلفت لها باللّه ما أمّ [١] واحد
إذا ذكرته آخر الليل حنّت
و ما وجد أعرابيّة قذفت بها
صروف النّوى من حيث لم تك ظنّت
إذا ذكرت ماء العضاه [٢] و طيبه
و برد الحمى من بطن خبت [٣] أرنّت
بأكثر منّي لوعة غير أنني
أجمجم [٤] أحشائي على ما أجنّت
و أما لحن إسحاق فإنه غنّى في:
لقد بخلت حتى لو أنّي سألتها
و أضاف إليه شيئا آخر و ليس من ذلك الشعر، و هو:
فإن بخلت فالبخل منها سجيّة
و إن بذلت أعطت قليلا و أكدت [٥]
قال: و لحنه ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى.
كاده مخارق عند الواثق فغضب عليه و لما عرف الحق من أمره رضي عنه:
أخبرني الحسن بن عليّ و محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثنا يزيد بن محمد المهلّبيّ، و حدّثني به عمّي عن أبي جعفر بن دهقانة النّديم عن أبيه قال:
كان الواثق إذا صنع صوتا قال لإسحاق: هذا وقع إلينا البارحة فاسمعه، فكان ربّما أصلح فيه الشيء بعد الشيء. فكاده مخارق عنده و قال له: إنما يستجيد صنعتك إذا حضر ليقاربك و يستخرج ما عندك، فإذا فارق حضرتك قال في صنعتك غير ما تسمع؛ قال الواثق: فأنا أحب أن أقف على ذلك؛ فقال له مخارق: فأنا أغنيه «أيا منشر/ الموتى» فإنه لم يعلم أنه لك و لا سمعه من أحد؛ قال: فافعل. فلمّا دخل إسحاق غنّاه مخارق و تعمّد لأن يفسده بجهده، و فعل ذلك في مواضع خفيّة لم يعلمها الواثق من قسمته؛ فلمّا غنّاه قال له الواثق: كيف ترى هذا الصوت؟ قال له: فاسد غير مرضيّ؛ فأمر به فسحب من المجلس حتى أخرج عنه، و أمر بنفيه إلى بغداد. ثم جرى ذكره يوما. فقالت له فريدة: يا أمير المؤمنين، إنما كاده مخارق فأفسد عليه الصوت من حيث أوهمك أنه زاد فيه بحذقه نغما و جودة، و إسحاق يأخذ نفسه بقول الحق في كل شيء ساءه أو سرّه، و يفهم من غامض علل الصنعة ما لا يفهمه غيره؛ فليحضره أمير المؤمنين و يحلّفه بغليظ الأيمان أن يصدقه عما يسمع،/ و أغنّيه إياه حتى يقف على حقيقة الصوت؛ فإن كان فاسدا فصدق عنه لم يكن عليه عتب، و وافقناه عليه حتى يستوي، فليس يجوز أن نتركه [٦]
[١] كذا في أ، ء، م و نسخة الأستاذ الشنقيطي مصححة بخطه و فيما سيأتي (ج ٨ ص ١٦٦ طبع بولاق). و في سائر الأصول: «يا أم واحد»، و هو تحريف.
[٢] العضاه: ضرب من الشجر له شوك.
[٣] الخبت: الوادي العميق الوطيء ينبت ضروب العضاه، و قيل: ما اطمأن من الأرض و اتسع، و هو أيضا علم لصحراء بين مكة و المدينة يقال لها خبت الجميش. و أرنت المرأة في نوحها: صاحت مع البكاء، و قيل: الإرنان: الصيحة الشديدة و الصوت الحزين عند البكاء.
[٤] يقال: جمجم شيئا في صدره إذا أخفاه و لم يبده. يريد أنه طوى أحشاءه على ما أجنته و جعلها غطاء له.
[٥] أكدت: قللت عطاءها و منعته، و في التنزيل العزيز: وَ أَعْطى قَلِيلًا وَ أَكْدى.
[٦] في الأصول: «.... أن يتركه ...» بالياء المثناة من تحت بدل النون، و التصويب عن «مختار الأغاني».