الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٥٢ - قصته مع الرشيد بشأن الجارية التي عرض بها في مجلسه
فحدّثته بحديثها، فأمر بإحضارها فحضرت؛ فقال لها: غنّي الصوت الذي حدّثني إبراهيم عنك أنك غنّيته، فغنته و هي تبكي؛ فرقّ الرشيد لها و تغرغرت [١] عيناه، و قال لها: أ تحبّين أن أشتريك؟ فقالت: يا أمير المؤمنين،/ لقد عرضت عليّ ما يقصر عنه الأمل، و لكن ليس من الوفاء أن يملكني أحد بعد سيّدي فينتفع بي؛ فازداد رقّة عليها، و قال: غنّي صوتا آخر، فغنّت:
العين تظهر كتماني و تبديه
و القلب يكتم ما ضمّنته فيه
فكيف ينكتم المكتوم بينهما
و العين تظهره و القلب يخفيه
فأمر بأن تبتاع و تعتق، و لم يزل يجري عليها إلى أن ماتت.
قصته مع الرشيد بشأن الجارية التي عرض بها في مجلسه:
أخبرنا محمد قال حدّثنا حمّاد عن أبيه عن جدّه قال:
قال لي الرشيد يوما: يا إبراهيم، بكّر عليّ غدا حتى نصطبح؛ فقلت [٢] له: أنا و الصبح كفرسي رهان؛ فبكّرت فإذا أنا به خاليا [٣]، و بين يديه جارية كأنها خوط بان أو جدل عنان، حلوة المنظر، دمثة الشمائل، و في يدها عود؛ فقال لها: غنّى، فغنت في شعر أبي نواس و هو:
توهمه قلبي فأصبح خدّه
و فيه مكان الوهم من نظري أثر [٤]
و مرّ بفكري خاطرا فجرحته
و لم أر جسما قطّ يجرحه الفكر
و صافحه قلبي فآلم كفّه
فمن غمز قلبي في أنامله عقر
قال إبراهيم: فذهبت و اللّه بعقلي حتى كدت أن أفتضح، فقلت: من هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذه التي يقول فيها الشاعر:
لها قلبي الغداة و قلبها لي
فنحن كذاك في جسدين روح
/ ثم قال لها: غنّى، فغنّت:
صوت
تقول غداة البين إحدى نسائهم
لي الكبد الحريّ فسر و لك الصّبر
و قد خنقتها عبرة فدموعها
على خدّها بيض و في نحرها صفر
- الشعر لأبي الشّيص. و الغناء لعمرو بن بانة، خفيف رمل بالوسطى من كتابه و فيه لمتيّم ثاني ثقيل و خفيف رمل آخر- قال: فشرب و سقاني ثم سقاها، ثم قال: غنّ يا إبراهيم؛ فغنّيت حسب ما في قلبي غير متحفّظ من شيء:
[١] كذا في ط، ء. و في سائر الأصول: «فغنته و هي تبكي فتغرغرت عينا الرشيد ... إلخ».
[٢] كذا في ط، ء. و في سائر الأصول: «فكنت أنا و الصبح ... إلخ».
[٣] في الأصول: «خال» بالرفع، و القواعد تأباه، إذ هو حال من الضمير في «به».
[٤] أثر الجرح (بالضم و بضمتين أيضا): أثره يبقى بعد ما يبرأ.