الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٦ - كليب وائل و مقتله و حرب البسوس و ما قيل فيها من الشعر
كليب لعمري كان أكثر ناصرا
و أيسر جرما منك ضرّج بالدّم
رمى ضرع ناب [١] فاستمرّ بطعنة
كحاشية البرد اليماني المسهّم [٢]
و ما يشعر الرمح الأصمّ كعوبه
بثروة [٣] رهط الأبلخ [٤] المتظلّم
/ و قال لجسّاس أغثني بشربة
تفضّل بها طولا عليّ و أنعم
فقال تجاوزت الأحصّ [٥] و ماءه
و بطن شبيث و هو ذو مترسّم [٦]
كليب وائل و مقتله و حرب البسوس و ما قيل فيها من الشعر:
و كان السبب [٧] في قتل كليب بن ربيعة- فيما ذكره أبو عبيدة عن مقاتل الأحول بن سنان بن مرثد بن عبد بن عمرو بن بشر بن عمرو بن مرثد أخي بني قيس بن ثعلبة، و نسخت بعضه من رواية الكلبيّ، و أخبرنا به محمد بن العباس اليزيديّ عن عمّه عبيد اللّه عن ابن حبيب عن ابن الأعرابيّ عن المفضّل، فجمعت من روايتهم ما احتيج إلى ذكره مختصر اللفظ كامل المعنى- أنّ كليبا كان قد عزّ و ساد في ربيعة فبغى بغيا شديدا، و كان هو الذي ينزلهم منازلهم و يرحّلهم، و لا ينزلون و لا يرحلون إلا بأمره. فبلغ من عزّه و بغيه أنه اتخذ جرو كلب [٨]، فكان إذا نزل منزلا به كلّا قذف ذلك الجرو فيه فيعوي، فلا يرعى أحد ذلك الكلأ إلا بإذنه، و كان يفعل هذا بحياض الماء، فلا يردها أحد إلا بإذنه أو من آذن بحرب؛/ فضرب به المثل في العزّ، فقيل: «أعزّ من كليب وائل» و كان يحمي الصيد، و يقول: صيد ناحية كذا و كذا في جواري؛ فلا يصيد أحد منه شيئا؛ و كان لا يمرّ بين يديه أحد إذا جلس، و لا يحتبي أحد في مجلسه غيره؛ فقتله جسّاس بن مرّة.
و قال أبو عبيدة: قال أبو [٩] برزة القيسيّ و هو من ولد عمرو بن مرثد:
[١] الناب: الناقة المسنة.
[٢] المسهم: المخطط بصور على شكل السهام، و في حديث جابر: أنه كان يصلي في برد مسهم أخضر، أي فيه وشي كالسهام.
[٣] في رواية: «بنزوة ...» كما في كتاب «الموشح».
[٤] كذا في ط، ء «و الموشح» للمرزباني. و الأبلخ (بالخاء المعجمة في آخره): العظيم في نفسه الجرىء على ما أتى من الفجور.
و المتظلم: الذي يظلم الناس حقوقهم، و هذا الوصف هو الذي يناسب كليبا لعتوّه. و في باقي الأصول: «الأبلج المتوسم» بالجيم.
و المتوسم: المتحلى بسمة الشيوخ.
[٥] سيذكر أبو الفرج في سياق هذا الخبر أن الأحص و شبيثا نهيان (النهي: الغدير)، و في «القاموس» أنهما موضعان بنجد. و في كتاب «معجم ما استعجم» أن الأحص واد، و أن شبيثا ماء معروف لبني تغلب. و هذا النظم للنابغة مأخوذ من قول جساس حين طعن كليبا فقصم صلبه فوقع كليب و هو يفحص برجله ثم قال لجساس: «أغثني بشربة»، فقال له جساس: «تجاوزت شبيثا و الأحص»، يعني:
ليس هذا وقت طلب الماء. و قد صار فيما بعد مثلا يضرب لمن يطلب شيئا في غير وقته. و لفظ المثل في الميداني «تخطى إليّ شبيثا و الأحص».
[٦] المترسم: موضع الماء لمن طلبه (عن «معجم ما استعجم»).
[٧] إلى هنا ينتهي حديث المؤلف عن النابغة الجعدي ثم استطرد إلى كلام عن حرب بكر و تغلب و ما كان بين كليب و جساس بمناسبة ذكرهما في شعر النابغة من غير أن يعقد لذلك عنوانا خاصا. و لذلك وضعنا هذه النجوم للدلالة على الفصل بين الخبرين و وضعنا في أعلى الصفحة عنوان [رب بكر و تغلب] بين قوسين مربعين للإشارة إلى أنه زيادة من عندنا و لم يضعه المؤلف.
[٨] كان اسم «كليب» «وائلا». و سبب تسميته «بكليب» أنه كان عنده كليب- تصغير كلب، و هو ما عبر عنه هنا «بجرو كليب»- يرمي به فحيث بلغ عواء هذا الكليب كان حمى لا يرعى؛ و من ذلك قيل المثل: «أعز من كليب وائل». ثم غلب هذا الاسم عليه حتى ظنوه اسمه. (انظر كتاب «مجمع الأمثال» للميدانيّ).
[٩] في ط، ء: «أبو بردة» بالدال المهملة، و كذلك ورد هذا الاسم فيهما في كل المواضع التي سيذكر فيها فيما بعد.