الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٥٨ - ما كان بينه و بين ابن بانة في مجلس الواثق و قصيدته في ذمه و مدح الواثق
لا شيء أعظم من جرمي سوى أملي
لحسن [١] عفوك عن ذنبي و عن زللي
فإن يكن ذا و ذا في القدر قد عظما
فأنت أعظم من جرمي و من أملي
فضحك ثم قال: يا إسحاق، عذرك أعلى قدرا من جرمك، و ما جال بفكري، و لا أخطرته [٢] بعد انقضائه على ذكري.
ما كان بينه و بين ابن بانة في مجلس الواثق و قصيدته في ذمه و مدح الواثق:
حدّثني عمّي قال حدّثني يزيد بن محمد المهلّبيّ قال:
خرجنا مع الواثق إلى القاطول [٣] للصيد، و معنا جماعة الجلساء و المغنّين و فيهم عمرو بن بانة و علّويه و مخارق و عقيد، و قدم إسحاق في ذلك الوقت فأخرجه معه؛ فتصيّد على القاطول ثم عاد فأكل و شرب أقداحا، ثم أمر بالبكور إلى الصّبوح فباكرنا و اصطبحنا. فغنّى عمرو بن بانة لحن إبراهيم الموصليّ:
صوت
بلوت أمور الناس طرّا فأصبحت
مذمّمة عندي براء من الحمد
و أصبح عندي من وثقت بغيبه
بغيض الأيادي كلّ إحسانه نكد [٤]
- و لحنه خفيف رمل بالوسطى- فغنّاه على ما أخذه من إبراهيم بن المهديّ و قد غيّره. فقال الواثق لإسحاق:
أ تعرف هذا اللحن؟ فقال: نعم، هذا لحن أبي و لكنّه مما زعم إبراهيم بن المهديّ أنه جندره و أصلحه فأفسده و دمر [٥] عليه؛ فقال له: غنّه أنت، فغنّاه فأتى به على حقيقته و استحسنه الواثق جدّا؛ فغمّ ذلك عمرو بن بانة فقال لإسحاق: أ فأنت مثل إبراهيم بن المهديّ حتّى تقول هذا فيه!؛ قال: لا و اللّه ما أنا مثله، أمّا على الحقيقة فأنا عبده و عبد أبيه، و ليس هذا مما نحن فيه؛ و أمّا الغناء فما دخولك أنت بيننا فيه! ما أحسنت قطّ أن تأخذ فضلا عن أن تغنّي، و لا قمت بأداء غناء فضلا عن أن تميّز بين المحسنين؛ و إلّا فغنّ أيّ صوت شئت مما أخذته/ عنه و عن غيره كائنا من كان، فإن لم أوضح لك و لمن حضر أنه لا يسلم لك صوت من نقصان أجزاء و فساد صنعة فدمى به رهن؛ فأساء عمرو الجواب/ و أغلظ في القول؛ فأمضّه الواثق و شتمه و أمر بإقامته عن مجلسه فأقيم. فلمّا كان من الغد دخل إسحاق على الواثق فأنشده:
و مجلس باكرته بكورا
و الطير ما فارقت الوكورا
و الصبح لم يستنطق العصفورا
على غدير لم يكن دعثورا [٦]
[١] في أ، ء، م: «و حسن ...».
[٢] كذا في ح. و في سائر الأصول: «أحضرته».
[٣] القاطول: اسم نهر يأخذ من دجلة في الجانب الشرقي، حفره كسرى أنوشروان العادل. و هو اسم نهر آخر أيضا كان حفره الرشيد في موضع «سر من رأى» قبل أن يعمرها المعتصم، و كان يأخذ من دجلة أيضا.
[٤] النكد (بالفتح و بالضم): قلة العطاء و ألا يهنأه من يعطاه. و في هذا الشعر إقواء، و هو اختلاف حركة الرويّ.
[٥] يقال: دمر عليه (من باب نصر) دمرا و دمورا إذا دخل بغير إذن و هجم هجوم الشرّ.
[٦] الدعثور: الحوض المثلم، و قيل: هو الحوض الذي لم يتنوّق في صنعته و لم يوسع.