الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٣٣ - خرج مع الواثق إلى الصالحية فحن إلى بغداد و أنشده شعرا فأجازه و صرفه
لا يغتربن و لا يسكنّ بادية
و ليس يدرين ما ضرع و لا حلب
إذا يد سرقت فالقطع يلزمها
و القطع في سرق بالعين لا يجب
قال: فشرب عليه بقيّة يومه و بعض ليلته، و خلع عليّ خلعة من ثيابه.
خرج مع الواثق إلى الصالحية فحنّ إلى بغداد و أنشده شعرا فأجازه و صرفه:
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال:
خرجت مع الواثق إلى الصالحيّة [١] و هو يريد النزهة، فذكرت بغداد و عيالي و أهلي و ولدي بها فبكيت؛ فقال لي: بحياتي أذكرت بغداد فبكيت شوقا إليها؟ فقلت: نعم، و غنّيته:
صوت
و ما زلت أبكي في الديار و إنما
بكائي على الأحباب ليس على الدار
قال: فأمر لي بمائة ألف درهم و صرفني.
و أخبرني محمد بن مزيد بهذا الخبر عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه، و حدّثني به عليّ بن هارون عن عمّه عن حمّاد عن أبيه و خبره أتمّ، قال:
ما وصلني أحد من الخلفاء قطّ بمثل ما وصلني به الواثق. و لقد انحدرت معه إلى النّجف [٢]، فقلت له:
يا أمير المؤمنين، قد قلت في النجف قصيدة؛ فقال: هاتها؛ فأنشدته:
يا راكب العيس لا تعجل بنا وقف
نحيّ دارا لسعدى ثم ننصرف
حتى أتيت على قولي:
لم ينزل الناس في سهل و لا جبل
أصفى هواء و لا أعذى [٣] من النّجف
حفّت ببرّ و بحر من جوانبها
فالبرّ في طرف و البحر في طرف
/ و ما يزال نسيم من يمانية [٤]
يأتيك منها بريّا روضة [٥] أنف
/ فقال: صدقت يا إسحاق، هي كذلك. ثم أنشدته حتى أتيت على قولي في مدحه:
() الأزهري: كل قلادة كانت ذات جوهر أو لم تكن. و المعنى: إن في الظباء صنفا (يكنى به عن النساء) همه التزين و التجمل يفتن القلوب و لا يألف إلا النعيم. و في سائر الأصول: «السحب» بالحاء المهمة، و هو تصحيف.
[١] الصالحية: محلة ببغداد تنسب إلى صالح بن المنصور المعروف بالمسكين.
[٢] النجف (بالتحريك): موضع يظهر الكوفة و هو دومة الجندل بعينها، و بالقرب منه قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان اللّه عليه.
[٣] كذا ورد في «معجم البلدان» لياقوت (بالعين المهملة) في الكلام على النجف. و أعذى: أطيب هواء، يقال: عذا المكان يعذو إذا طاب هواؤه. و منه الأرض العذاة و هي الأرض البعيدة عن الأحساء و النزوز و الريف، السهلة المريئة التي يكون كلؤها ناجعا مريئا.
و في الأصول: «أغذى» بالغين المعجمة، و هو تصحيف.
[٤] في «معجم البلدان»:
«.... من أيا منه
يأتيك منه ....»
[٥] الروضة الأنف (بضم الهمزة و النون): التي لم يرعها أحد.