الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٦٧ - جعفر بن يحيى البرمكي و عبد الملك بن صالح الهاشمي
فشرب عليه و استحسنه و قال لي: يا أبا محمد، لو قلت مكان «يا حبّذا ريح الجنوب»: «يا حبّذا ريح الشّمال»، أ لم يكن أرقّ و أعذى [١] و أصحّ للأجساد و أقلّ و خامة و أطيب/ للأنفس؟ فقلت: ما ذهب عليّ ما قاله أمير المؤمنين، و لكن التفسير فيما بعد؛ فقال: قل؛ فقلت:
ما ذا تهيج من الصّبابة و الهوى
للصّبّ بعد ذهوله و الياس
فقال الواثق: إنما استطبت ما تجيء به الجنوب من نسيم أهل بغداد لا الجنوب، و إليهم اشتقت لا إليها؛ فقلت: أجل يا أمير المؤمنين؛ و قمت فقبّلت يده؛ فضحك و قال: قد أذنت لك بعد/ ثلاثة أيام، فامض راشدا؛ و أمر لي بمائة ألف درهم. لحن إسحاق هذا من الثقيل الأوّل.
جعفر بن يحيى البرمكي و عبد الملك بن صالح الهاشمي:
أخبرني يحيى بن عليّ قال حدّثني أبي عن إسحاق قال:
لم أر قطّ مثل جعفر بن يحيى؛ كانت له فتوة و ظرف و أدب و حسن غناء و ضرب بالطبل، و كان يأخذ بأجزل حظّ من كل فنّ من الأدب و الفتوّة. فحضرت باب أمير المؤمنين الرشيد، فقيل لي: إنه نائم، فانصرفت؛ فلقيني جعفر بن يحيى فقال لي: ما الخبر؟ فقلت: أمير المؤمنين نائم؛ فقال: قف مكانك؛ و مضى إلى دار أمير المؤمنين فخرج إليه الحاجب فأعلمه أنه نائم؛ فخرج إليّ و قال لي: قد نام أمير المؤمنين، فسر بنا إلى المنزل حتى نخلو جميعا بقيّة يومنا و تغنّيني و أغنّيك و نأخذ في شأننا من وقتنا هذا؛ قلت نعم، فصرنا إلى منزله فطرحنا ثيابنا، و دعا بالطعام فطعمنا، و أمر بإخراج الجواري و قال: لتبرزن؛ فليس عندنا من تحتشمن منه. فلمّا وضع الشراب دعا بقميص حرير فلبسه و دعا بخلوق فتخلّق به، ثم دعا لي بمثل ذلك، و جعل يغنّيني و أغنّيه؛ ثم دعا بالحاجب فتقدّم إليه و أمره بألّا يأذن لأحد من الناس كلّهم، و إن جاء رسول أمير المؤمنين أعلمه أنه مشغول؛ و احتاط في ذلك و تقدّم فيه إلى جميع الحجّاب و الخدم؛ ثم قال: إن جاء عبد الملك فأذنوا له- يعني رجلا كان/ يأنس به و يمازحه و يحضر خلواته- ثم أخذنا في شأننا؛ فو اللّه إنّا لعلى حالة سارّة عجيبة إذ رفع السّتر، و إذا عبد الملك بن صالح الهاشميّ قد أقبل، و غلط الحاجب و لم يفرّق بينه و بين الذي يأنس به جعفر بن يحيى. و كان عبد الملك بن صالح الهاشميّ من جلالة القدر و التقشف و في الامتناع من منادمة أمير المؤمنين على أمر جليل، و كان أمير المؤمنين قد اجتهد به أن يشرب معه أو عنده قدحا فلم يفعل ذلك رفعا لنفسه. فلما رأيناه مقبلا، أقبل كلّ واحد منّا ينظر إلى صاحبه، و كاد جعفر أن ينشقّ غيظا. و فهم الرجل حالنا، فأقبل نحونا، حتى إذا صار إلى الرّواق الذي نحن فيه نزع قلنسيته فرمى بها مع طيلسانه جانبا؛ ثم قال: أطعمونا شيئا؛ فدعا له جعفر بالطعام و هو منتفخ غضبا و غيظا فطعم، ثم دعا برطل فشربه، ثم أقبل إلى المجلس الذي نحن فيه فأخذ بعضادتي [٢] الباب ثم قال: اشركونا فيما أنتم فيه؛ فقال له جعفر:
ادخل؛ ثم دعا بقميص حرير و خلوق فلبس و تخلّق، ثم دعا برطل و رطل حتى شرب عدّة أرطال، ثم اندفع ليغنّينا، فكان و اللّه أحسننا جميعا غناء. فلما طابت نفس جعفر و سرّي عنه ما كان به التفت إليه فقال له: ارفع حوائجك؛
() إنه يسمى باليونانية نرديسيون. و البسباس: نبات طيب الريح و هو المعروف بالفارسية باسم الرازيانج و في مصر و الشام باسم الشمار.
[١] أعذى: أطيب.
[٢] عضادتا الباب: خشبتاه من جانبيه.