الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٤٤ - سرق إبراهيم بن المهدي شعره و لحنه و غنى به الرشيد
فإنك و اطّراحك وصل سعدى
لأخرى في مودّتها نكوب
قال: قلته ثم انقطع بي فيه؛ فمرّت بي جويرية صفراء مليحة كنت أستحسنها أبدا و أكلّمها إذا مرّت بي، فمرّت اليوم فرأيتها و قد ورم وجهها و تغيّر خلقها، [عما أعرف] [١]، فسألتها عن خبرها فقالت: [كان في بني فلان عرس أردت حضوره] [١] فاستعار لي أهلي حليا و ثقبوا أذني لألبسه فورم وجهي و أذناي كما ترى، فردّوه و لم أشهد العرس؛ قال ابن هرمة: فاطّرد لي الشعر فقلت:
كثاقبة لحلي مستعار
بأذنيها فشأنهما الثقوب
فردّت حلّي جارتها إليها
و قد بقيت بأذنيها ندوب
سرق إبراهيم بن المهدي شعره و لحنه و غنى به الرشيد:
أخبرني الحسين بن القاسم قال حدّثني العبّاس بن الفضل قال حدّثني أبي قال:
قال الرشيد لإبراهيم بن المهديّ و إبراهيم الموصليّ و ابن جامع و ابن أبي الكنّات: باكروني غدا، و ليكن كلّ واحد قد قال شعرا إن كان يقدر أن يقوله، و غنّى فيه لحنا، و إن لم يكن شاعرا غنّى في شعر غيره. قال إبراهيم بن المهديّ: فقمت في السّحر و جهدت أن أقدر على شيء أصنعه فلم يتّفق لي، فلمّا خفت طلوع الفجر دعوت بغلماني و قلت لهم: إني أريد أن أمضي إلى موضع و لا يشعر بي أحد/ حتى أصير إليه، و كانوا [٢] يبيتون على باب داري، فقمت فركبت و قصدت دار إبراهيم الموصليّ، و كان قد حدّثني أنه إذا أراد الصنعة لم ينم حتى يدبّر ما يحتاج إليه، و إذا قام لحاجته في السّحر [٣] اعتمد على خشبة له في المستراح، فلم يزل يقرع عليها حتى يفرغ من الصوت و يرسخ في قلبه، فجئت حتى وقفت تحت مستراحه، فإذا هو يردّد هذا الصوت:
صوت
إذا سكبت في الكأس قبل مزاجها
ترى لونها في جلدة الكأس مذهبا
و إن مزجت راعت بلون تخاله
إذا ضمّنته الكأس في الكأس كوكبا
أبوها نجاء [٤] المزن و الكرم أمّها
فلم أر زوجا [٥] منه أشهى و طيبا
فجاءتك [٦] صفرا أشبهت غير جنسها
و ما أشبهت في اللون أمّا و لا أبا
قال: فما زلت واقفا أستمع منه الصوت حتى أخذته؛ ثم غدونا إلى الرشيد، فلمّا جلسنا للشّرب خرج الخادم إليّ فقال: يقول لك أمير المؤمنين: يا ابن أمّ غنّني؛ فاندفعت فغنّيت هذا الصوت و الموصليّ في الموت حتى فرغت
[١] الزيادة عن ط، ء.
[٢] كذا في ط، ء. و في سائر الأصول: «و كانوا في زبيديات لي يبيتون فيها على باب داري فقمت فركبت في إحداها و قصدت ...». و لم ندر ما الزبيديات التي كانوا يبيتون فيها ثم ركب هو إحداها. و لعلها ضرب من العجل (العربات) نسب إلى زبيدة زوج الرشيد.
[٣] كذا في ط، ء. و في سائر الأصول: «في استحى». و الحش (مثلث الحاء) في الأصل: البستان، و أطلق على موضع قضاء الحاجة و المتوضأ لأنهم كانوا يذهبون عند قضاء الحاجة إلى البساتين. و الجمع: حشوش.
[٤] النجاء: جمع النجو و هو السحاب الذي قد هراق ماءه ثم مضى، و قيل: هو السحاب أوّل ما ينشأ.
[٥] الزوج: النوع و الصنف.
[٦] كذا في ط، ء: و في سائر الأصول: «مخائل صفرا» و هو تحريف.