الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٧ - قصته مع فتية من قريش غناهم فطربوا له و استعادوه
تزوّج بنت ابن سريج و أخذ عنها غناء أبيها و انتحل أكثره:
قال هارون: و حدّثني حماد عن أبيه قال:
ذكر ابن جامع عن ابن عبّاد أن ابن سريج لما حضرته الوفاة نظر إلى ابنته فبكى، فقالت له: ما يبكيك؟ قال:
أخشى عليك الضيعة بعدي! فقالت له: لا تخف فما من غنائك شيء إلا و قد أخذته؛ قال: فغنّيني فغنّته، فقال: قد طابت نفسي، ثم دعا بالهذليّ فزوّجها منه؛ فأخذ الهذليّ غناء أبيها كلّه عنها فانتحل أكثره؛ فعامّة غناء الهذليّ لابن سريج مما أخذه عن ابنته و هي زوجته.
حدره الحارث بن خالد من منى ثم أذن له فرجع إليها:
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثني عمر بن شبّة قال حدّثني محمد بن يحيى أبو غسّان قال:
كان الهذليّ منزله بمنى، و كان فتيان قريش يأتونه فيغنّيهم هناك، ثم أقبل مرّة حتى جلس على جمرة العقبة فغنّى هناك، فحدره الحارث من منى، و كان عاملا على مكة، ثم أذن له فرجع إلى منى.
قصته مع فتية من قريش غناهم فطربوا له و استعادوه:
قال هارون: و حدّثني عليّ بن محمد النّوفليّ/ قال حدّثني أبي قال:
كان الهذليّ النقّاش يغدو إليه فتيان قريش و قد عمل عمله بالليل، و معهم الطعام و الشراب و الدراهم، فيقولون له: غنّنا؛ فيقول لهم: الوظيفة [١]، فيقولون: قد جئنا بها؛ فيقول: الوظيفة الأخرى، أنزلوا أحجاري، فيلقون ثيابهم و يأتزرون بأزرهم و ينقلون الحجارة و ينزلونها، ثم يجلس على شنخوب [٢] من شناخيب الجبل فيجلسون تحته في السّهل فيشربون و هو يغنّيهم حتى المساء، و كانوا كذلك مدّة؛ فقال له يوما ثلاثة فتية من قريش: قد جاءك كلّ واحد منا بمثل وظيفتك على الجماعة من غير أن تنقص وظيفتك عليهم، و قد اختار كل واحد منا صوتا من غنائك ليجعله حظّه اليوم، فإن وافقت الجماعة هوانا كان ذلك مشتركا بيننا، و إن أبوا غنّيت لهم ما أرادوا و جعلت هذه الثلاثة الأصوات لنا بقية يومنا؛ قال: هاتوا، فاختار أحدهم:
عفت عرفات فالمصايف من هند
و اختار الآخر:
ألمّ بنا طيف الخيال المهجّد [٣]
/ و اختار الآخر:
هجرت سعدى فزادني كلفا
فغنّاهم إياها، فما سمع السامعون شيئا كان أحسن من ذلك؛ فلما أرادوا الانصراف قال لهم: إني قد صنعت صوتا البارحة ما سمعه أحد، فهل لكم فيه؟ قالوا: هاته منعما بذلك؛ فاندفع فغنّاهم:
[١] الوظيفة: ما يقدّر من عمل و طعام و رزق و غير ذلك.
[٢] الشنخوب: رأس الجبل و أعلاه.
[٣] هجدت الرجل (بالتضعيف): أيقظته.