الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١١٩ - انقطع عن الرشيد في سفره عند خمار و شعره في ذلك
فركبت أدور في ظهر الحيرة، فنظرت إلى بستان فقصدته فإذا على بابه شابّ حسن الوجه، فاستأذنته في الدخول فأذن لي، فدخلت فإذا جنّة من الجنان في أحسن تربة و أغزرها ماء، فخرجت فقلت له: لمن هذا البستان؟ فقال:
لبعض الأشاعثة [١]؛ فقلت له: أ يباع؟ فقال: نعم و هو على سوم؛ فقلت: كم بلغ؟ فقال: أربعة عشر ألف دينار؛ قلت: و ما يسمّى هذا الموضع؟ قال: شمارى؛ فقلت:
صوت
جنان شمارى ليس مثلك منظر
لذي رمد أعيا عليه طبيب
ترابك كافور و نورك [٢] زهرة
لها أرج بعد الهدوّ يطيب [٣]
/ قال: و حضرتني فيه صنعة حسنة؛ فلما جلس الرشيد و أمر بالغناء غنّيته إياه أوّل ما غنّيت؛ فقال: ويلك! و أين شمارى؟ فأخبرته القصّة؛ فأمر لي بأربعة عشر ألف دينار؛ و غمزني جعفر بن يحيى فقال: خذ توقيعه بها إليّ؛ و تشاغل الرّشيد عنّي، فأعدت الصوت، فقال: ويلكم! أعطوا هذا دنانيره؛ فوثبت و قلت: يا سيّدي، وقّع لي بها إلى جعفر بن يحيى؛ فقال: أفعل، و وقّع لي بها إليه؛ فلمّا حصل التوقيع عند جعفر أطلق لي المال و خمسة آلاف دينار من عنده؛ فلما حصل المال عندي كان أحبّ إليّ و أحسن في عيني من شمارى.
عرض الرشيد أبياتا ليجيزها الشعراء ثم أمره فغنى فيها:
أخبرني [٤] جعفر بن قدامة قال أخبرني أبو العيناء قال:
خرج الفضل بن الرّبيع يوما من حضرة الرشيد و معه رقعة فيها أربعة أبيات، فقال: إن أمير المؤمنين يأمر كلّ من حضر ممن يقول الشعر أن يجيزها، و هي:
أهدى الحبيب مع الجنوب سلامه
فاردد إليه مع الشّمال سلاما
و اعرف بقلبك ما تضمّن قلبه
و تداولا بهواكما الأيّاما
و إذا بكيت له فأيقن أنه
ستجود أدمعه عليك رهاما [٥]
فاحبس دموعك رحمة لدموعه
إن كنت تحفظ أو تحوط ذماما
/ فلم يوجد من يجيزها، فأمر إبراهيم فغنّى فيها لحنا من خفيف الثقيل.
انقطع عن الرشيد في سفره عند خمار و شعره في ذلك:
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثني أبو العبّاس البصريّ [٦] قال حدّثني عبد اللّه بن الفضل بن الرّبيع قال سمعت أبي يقول:
[١] الأشاعثة: منسوبون إلى الأشعث بن قيس بن معديكرب الكندي أبي محمد الصحابي، وفد على النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و روى عنه و عن عمر رضي اللّه عنه، و نزل الكوفة و مات بها في آخر سنة أربعين هجرية و هو ابن ثلاث و ستين سنة.
[٢] في ح: «و نبتك».
[٣] في ح: «و طيب».
[٤] هذا الخبر الذي يبتدئ من قوله: «أخبرني جعفر» إلى قوله: «لحنا من خفيف الثقيل» ساقط من ط، ء، م.
[٥] الرهام: جمع رهمة (بالكسر) و هي المطر الضعيف.
[٦] في ح: «النصرى» بالنون.