الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٨٠ - مر مع الواثق بدير مريم فقال فيه شعرا و غنى فيه فوصله
الشعر لذي الرّمّة. و الغناء لإسحاق ثقيل أوّل بالسبابة و الوسطى، عن ابن المكيّ. و من أغاني إسحاق:
صوت
قل لمن صدّ عاتبا
و نأى عنك جانبا
قد بلغت الذي أرد
ت و إن كنت لاعبا
صوت
الطّلول الدّوارس
فارقتها الأوانس
أوحشت بعد أهلها
فهي قفر بسابس
الشعر لابن ياسين، شاعر مجهول قليل الشعر، كان صديقا لإسحاق. و الغناء لإسحاق خفيف ثقيل. و هذا الصوت من أوابد إسحاق و بدائعه.
غنى صوت له أمام الواثق فأعجب به و حلله:
أخبرني عمّي قال حدّثني يزيد بن محمد المهلّبيّ قال:
كنت عند الواثق؛ فغنّته «شجى» التي وهبها له إسحاق هذا الصوت؛ فقال لمخارق و علّويه: و اللّه لو عاش معبد ما شقّ غبار إسحاق في هذا الصوت؛ فقالا [١] له: إنه لحسن يا أمير المؤمنين؛ فغضب و قال: ليس عند كما فيه إلا هذا! ثم أقبل على أحمد [٢] بن المكّيّ فقال: دعني من هذيه الأحمقين؛ أوّل بيت في هذا الصوت أربع كلمات:
«الطلول» كلمة، و «الدوارس» كلمة، و «فارقتها» كلمة، و «الأوانس» كلمة؛ فانظر هل ترك إسحاق شيئا من الصنعة يتصرّف فيه المغنّي لم يدخله في هذه الكلمات الأربع! بدأ بها نشيدا، و تلاه بالبسيط، و جعل فيه صياحا، و إسجاحا، و ترجيحا للنّغم، و اختلاسا فيها، و عمل هذا كلّه في أربع كلمات، فهل سمعت أحدا تقدّم أو تأخر فعل مثل هذا أو قدر عليه؟! فقال: صدق أمير المؤمنين، قد لحق من قبله و سبق من بعده.
مر مع الواثق بدير مريم فقال فيه شعرا و غنى فيه فوصله:
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدّثني ميمون بن هارون قال حدّثني إسحاق قال:
لمّا خرجت مع الواثق إلى النّجف درنا بالحيرة و مررنا بدياراتها؛ فرأيت دير [٣] مريم بالحيرة، فأعجبني موقعه و حسن بنائه؛ فقلت:
[١] في الأصول: «فقالوا» و السياق يقتضي التثنية، كما هو ظاهر.
[٢] في الأصول: «محمد بن المكي». و المعروف المشهور بهذه النسبة ما أثبتناه.
[٣] دير مريم أو دير مارت مريم: يطلق على ديرين، أحدهما: دير قديم من بناء المنذر حسن الوضع بين الخورنق و السدير و بين قصر أبي الخصيب مشرف على النجف؛ و سياق الخبر هاهنا يدل على أن هذا الدير هو المراد. و الآخر: دير قديم أيضا بالشام؛ ذكره البكري و ياقوت و استشهدا بهذين البيتين. قال البكري: «هو بالشام و هو دير قديم من دياراتها لا أدري أين موضعه؛ و قد ذكره بعض الشعراء القدماء و غنى فيه ابن محرز قال: