الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٨ - كليب وائل و مقتله و حرب البسوس و ما قيل فيها من الشعر
برزة: بل عمرو ابن أبي ربيعة- و طعن عمرو كليبا فحطم صلبه؛ و قال أبو برزة: فسكت جسّاس،/ حتى ظعن [١] ابنا وائل؛ فمرّت بكر بن وائل على نهي [٢] يقال له شبيث فنفاهم كليب عنه و قال: لا يذوقون منه قطرة، ثم مرّوا على نهي آخر يقال له الأحصّ فنفاهم عنه و قال: لا يذوقون منه قطرة؛ ثم مرّوا على بطن الجريب [٣] فمنعهم إيّاه؛ فمضوا حتى نزلوا الذّنائب [٤]، و اتّبعهم كليب و حيّه حتى نزلوا عليه؛ ثم مرّ عليه جسّاس و هو واقف على غدير الذنائب فقال: طردت أهلنا عن المياه حتى كدت تقتلهم عطشا! فقال كليب: ما منعناهم من ماء إلا و نحن له شاغلون؛ فمضى جسّاس و معه ابن عمه المزدلف. و قال بعضهم: بل جسّاس ناداه فقال: هذا كفعلك بناقة خالتي؛ فقال له: أو قد ذكرتها! أما إني لو وجدتها في غير إبل مرّة لاستحللت تلك الإبل بها. فعطف عليه جسّاس فرسه فطعنه برمح فأنفذ حضنيه [٥]؛ فلما تداءمه [٦] الموت قال: يا جسّاس اسقني من الماء؛ قال: ما عقلت استسقاءك الماء منذ ولدتك أمّك إلا ساعتك هذه!. قال أبو برزة:/ فعطف عليه المزدلف [٧] عمرو بن أبي ربيعة فاحتزّ رأسه.
و أمّا مقاتل فزعم أن عمرو بن الحارث بن ذهل الذي طعنه فقصم صلبه. [قال] [٨]: و فيه يقول مهلهل:
قتيل ما قتيل المرء عمرو
و جسّاس بن مرّة ذو ضرير [٩]
/ و قال العباس بن مرداس السّلميّ يحذّر كليب [١٠] بن عهمة السّلميّ ثم الظّفريّ لما مات حرب بن أمية و خنقت الجنّ مرداسا و كانوا شركاء في القرية [١١] فجحدهم كليب حظّهم منها- و سنذكر خبر ذلك في آخر هذه الأخبار إن شاء اللّه تعالى- فحذّره غبّ الظلم فقال:
أ كليب مالك كلّ يوم ظالما
و الظلم أنكد وجهه ملعون
[١] كذا في ب. و في سائر الأصول: «طعن» بالطاء المهملة.
[٢] النهي (بالكسر في لغة أهل نجد، و غيرهم يقوله بالفتح): الغدير، و هو أيضا الموضع الذي له حاجز ينهى الماء أن يفيض منه.
[٣] الجريب: واد عظيم بين أجلي و بين الذنائب و جبر، تجيء أعاليه من قبل اليمن حتى يصب في الرمة. و الرمة: فضاء به أودية كثيرة بأرض نجد. قال الهمداني: هذا الجريب جريب نجد، و في تهامة جريب آخر. (عن «معجم ما استعجم» و «معجم البلدان» لياقوت).
[٤] الذنائب: موضع بنجد.
[٥] الحضن: ما دون الإبط إلى الكشح.
[٦] تداءمه: تراكم عليه و تزاحم.
[٧] في الأصول: «... المزدلف بن عمرو بن أبي ربيعة» بزيادة كلمة «ابن» و هو تحريف. (راجع الحاشية رقم ٨ ص ٣٥ من هذا الجزء).
[٨] زيادة عن ط، ء، م.
[٩] الضرير: الشدة، و يقال: فلان ذو ضرير إذا كان ذا صبر على الشرّ و مقاساة له. و ذو ضرير هنا صفة لقتيل.
[١٠] كذا ورد هذا الاسم في جميع الأصول هنا و كتاب «النقائض» (ص ٩٠٧). و ورد في الأصول التي بين أيدينا من «الأغاني» في أول أخبار أبي سفيان التي تقع في ج ٦ ص ٩٢ طبع بولاق: «كليب بن أبي عهمة السلميّ».
[١١] ذكر أبو الفرج في ج ٦ ص ٩٢ و ج ٢٠ ص ١٣٥ طبع بولاق: أن حرب بن أمية لما انصرف من حرب عكاظ هو و أخوته مرّ بالقرية و هي إذ ذاك غيضة شجر ملتف لا يرام، فقال له مرداس بن أبي عامر: أما ترى هذا الموضع؟ قال بلى؛ قال: نعم المزدرع هو، فهل لك أن نكونا شريكين فيه و نحرق هذه الغيضة ثم نزدرعه بعد ذلك؟ قال نعم؛ فأضرما النار في الغيضة، فلما استطارت و علا لهبها سمع من الغيضة أنين و ضجيج كثير ثم ظهرت منها حيات بيض تطير حتى قطعتها و خرجت منها، فلم يلبث حرب بن أمية و مرداس بن أبي عامر أن ماتا، فأما مرداس فدفن بالقرية، ثم ادّعاها بعد ذلك كليب بن أبي عهمة السلمي ثم الظفري. و قال أبو الفرج عند إيراده هذا الخبر في ذلك الموضع: «و هذا شيء قد ذكرته العرب في أشعارها و تواترت الرواية بذكره، فذكرته، و اللّه أعلم».