الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٥٤ - أعجبته وصيفة عند الواثق فأنشده شعرا للمرار و غناه فيه فوهبها له
إذا ما قال قال أبي عجبنا
لما يأتي به و لما يقول
و ما إن كان يدري ما دبير [١]
أبوه إن سألت و ما قبيل
/ و جلّله عطاء الملك عارا
تزول الراسيات و لا يزول
نصحت أبا ربيعة فيه جهدي
و بعض النصح أحيانا ثقيل
فقل لأبي ربيعة إذ عصاني
و جار به عن القصد السبيل
لقد ضاعت برودك فاحتسبها [٢]
و ضاع الفصّ و السيف الصقيل
و سرج كان للبرذون زينا
له في إثره جزعا صهيل
و أمّا الخمسة الآلاف فاعلم
بأنّك غبنها لا تستقيل
و أنّ قضاءها فتعزّ عنها
سيأتي دونه زمن طويل
أعجبته وصيفة عند الواثق فأنشده شعرا للمرار و غناه فيه فوهبها له:
حدّثني محمد بن مزيد قال حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال:
كنت جالسا بين يدي الواثق و هو وليّ عهد، إذ خرجت وصيفة من القصر كأنها خوط بان، أحسن من رأته عيني قطّ، تقدم عدّة وصائف بأيديهن المذابّ [٣] و المناديل و نحو ذلك، فنظرت إليها نظر/ دهش و هو يرمقني.
فلمّا تبيّن إلحاح نظري قال: مالك يا أبا محمد قد انقطع كلامك و بانت الحيرة فيك! فتلجلجت؛ فقال لي: رمتك و اللّه هذه الوصيفة فأصابت قلبك!؛ فقلت: غير ملوم؛ فضحك ثم قال: أنشدني في هذا المعنى؛ فأنشدته قول المرّار [٤]:
ألكني [٥] إليها عمرك اللّه يا فتى
بآية ما قالت متى هو رائح
و آية ما قالت لهنّ عشيّة
و في السّتر حرّات الوجوه ملائح
/ تخيّرن أرماكنّ فارمين رمية
أخا أسد إذ طرّحته [٦] الطوارح
فلبّسن مسلاس الوشاح كأنها
مهاة لها طفل برمّان راشح [٧]
فقال له الواثق: أحسنت بحياتي و ظرفت، اصنع فيها لحنا؛ فإن جاء كما نريد و أطربنا فالوصيفة لك؛ فصنعت
[١] يقال: فلان لا يعرف ما قبيله و ما دبيره: أي لا يعرف ما قدامه و ما خلفه.
[٢] في أكثر الأصول: «فاحتبسها» بتقديم الباء على السين، و التصويب عن ح.
[٣] المذاب: جمع مذبة و هي ما يذب به كالمروحة.
[٤] هو المرار بن سعيد الفقعسي و له ترجمة في الجزء التاسع من هذا الكتاب (ص ١٥٨ طبع بولاق).
[٥] ألكني إلى فلان: أبلغه عني و تحمل إليه رسالتي.
[٦] صححها الأستاذ الشنقيطي في نسخته «طوّحته الطوائح». و طوّحته الطوائح: قذفته القواذف و رمت به الحوادث، و لا يقال المطوّحات و هو من النوادر.
[٧] قصر الرمان: بنواحي واسط القصب، و هي التي خربها الحجاج و سمي باسمها «واسط الحجاج». و الراشح: الصغير إذا قوي و مشي مع أمه وسعى خلفها، و يقال لأمه: راشح أيضا و مرشح (من أرشح) و مرشح (من رشح بالتضعيف).