الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٧٨ - قصة دخوله بيتا طفيليا
مدح جعفر بن يحيى ببيتين و غناه فيهما فوصله:
أخبرنا جعفر قال حدّثنا حمّاد عن أبيه قال:
دخلت يوما على جعفر بن يحيى، فرأى شفتيّ تتحرّكان بشيء [١] كنت أعمله؛ فقال: أ تدعو أم تصنع [٢] ما ذا؟
فقلت: بل أمدح؛ قال: قل؛ فقلت:
صوت
و كنت إذا إذن عليك جرى لنا
تجلّى لنا وجه أغرّ وسيم
علانية محمودة و سريرة
و فعل يسرّ المعتفين كريم
فاحتبسني و أمر لي بمال جليل و كسوة، و قال: زد البيتين حسنا بأن تصنع فيهما لحنا؛ فصنعت لحنا من الثقيل الثاني؛ فلم يزل يشرب عليهما حتى سكر.
قصة دخوله بيتا طفيليا:
أخبرنا محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه أنه حدّثه قال: غدوت يوما و أنا ضجر من ملازمة دار الخلافة و الخدمة فيها؛ فخرجت و ركبت بكرة، و عزمت على أن أطوف الصحراء و أتفرّج؛ فقلت لغلماني: إن جاء رسول الخليفة أو غيره فعرّفوه أني بكّرت في بعض مهمّاتي، و أنكم لا تعرفون أين توجّهت؛ و مضيت و طفت ما بدا لي، ثم عدت و قد حمي النهار؛ فوقفت في الشارع المعروف بالمخرّم [٣] في فناء ثخين الظلّ و جناح رحب على الطريق لأستريح. فلم ألبث/ أن جاء خادم يقود حمارا فارها عليه جارية راكبة، تحتها منديل دبيقيّ [٤] و عليها من اللباس الفاخر ما لا غاية بعده، و رأيت لها قواما حسنا و طرفا فاترا و شمائل حسنة؛ فخرصت [٥] عليها أنها مغنّية، فدخلت الدار التي كنت واقفا عليها. ثم لم ألبث أن جاء رجلان شابّان جميلان، فاستأذنا فأذن لهما فنزلا و نزلت معهما و دخلت؛ فظنا أن صاحب الدار دعاني و ظنّ صاحب الدار أني معهما؛ فجلسنا، و أتي بالطعام فأكلنا و بالشراب فوضع، و خرجت الجارية و في يدها عود فغنّت و شربنا؛ و قمت قومة، و سأل صاحب المنزل الرجلين عنّي فأخبراه أنهما لا يعرفاني؛ فقال: هذا طفيليّ، و لكنه ظريف، فأجملوا عشرته. و جئت فجلست؛ و غنّت الجارية في لحن لي:
ذكرتك أن مرّت بنا أمّ شادن
أمام المطايا تشرئبّ و تسنح
من المؤلفات الرمل أدماء حرّة
شعاع الضحى في متنها يتوضّح [٦]
فأدّته أداء صالحا و شربت. ثم غنّت أصواتا شتّى، و غنّت في أضعافها من صنعتي:
[١] كذا في ح. و في سائر الأصول: «لشيء».
[٢] كذا في أ، ء، م. و في سائر الأصول: «أم تصنع أم ما ذا؟».
[٣] كذا في «معجم ما استعجم». و هي محلة ببغداد بالجانب الشرقيّ. و في الأصول: «المحرّم» بالحاء المهملة، و هو تصحيف.
[٤] راجع الحاشية رقم ٣ ص ٣٤٥ من هذا الجزء.
[٥] خرصت: ظننت و خمنت.
[٦] انظر الحاشية رقم ٣ ص ٢٩٢ من هذا الجزء.