الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٥٦ - طلب الخلوة في بيته يوما فزعم بأن إبليس زاره و طارحه الغناء
صوت
/
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد
لقد زادني مسراك وجدا على وجد
أ أن هتفت و رقاء في رونق الضّحى [١]
على فنن [٢] غضّ النّبات من الرّند [٣]
بكيت كما يبكي الحزين صبابة
و ذبت من الحزن المبرّح و الجهد [٤]
و قد زعموا أنّ المحبّ إذا دنا [٥]
يملّ و أنّ النأى يشفي [٦] من الوجد
بكلّ تداوينا فلم يشف ما بنا
على أنّ [٧] قرب الدار خير من البعد
/ ثم قال: يا إبراهيم، هذا الغناء الماخوريّ فخذه و انح نحوه في غنائك و علّمه جواريك؛ فقلت: أعده عليّ، فقال: لست [٨] تحتاج، قد أخذته و فرغت منه، ثم غاب من بين يديّ [٩]؛ فارتعت [١٠] و قمت إلى السيف فجرّدته، و عدوت نحو أبواب الحرم فوجدتها مغلقة، فقلت للجواري: أيّ شيء سمعتنّ عندي؟ فقلن [١١]: سمعنا أحسن غناء سمع قطّ؛ فخرجت متحيّرا إلى باب الدار فوجدته مغلقا، فسألت البوّاب عن الشيخ؛ فقال لي: أيّ شيخ هو؟ و اللّه ما دخل إليك اليوم أحد؛ فرجعت لأتأمل أمري، فإذا هو قد هتف [بي] [١٢] من بعض جوانب البيت: لا بأس عليك يا أبا إسحاق، أنا إبليس و أنا كنت جليسك و نديمك اليوم، فلا ترع. فركبت إلى الرشيد و قلت: لا أطرفه [١٣] أبدا بطرفة مثل هذه، فدخلت إليه فحدّثته بالحديث؛ فقال: ويحك! تأمّل هذه الأصوات [١٤]، هل أخذتها؟ فأخذت العود أمتحنها، فإذا هي راسخة في صدري كأنها لم تزل؛ فطرب الرشيد [عليها] [١٥] و جلس يشرب و لم يكن عزم على الشراب، و أمر لي بصلة و حملان [٩] و قال: الشيخ كان أعلم بما قال لك من أنك أخذتها و فرغت منها، فليته أمتعنا بنفسه يوما واحدا كما أمتعك.
[١] رونق الضحى: حسنه و إشراقه.
[٢] كذا في ط، ء و «شرح الحماسة» للتبريزي (ج ٣ ص ١٤٥). و في سائر الأصول و «ديوان ابن الدمينة» المخطوط المحفوظ بدار الكتب المصرية ضمن مجموعة تحت رقم (٦ أدب ش): «غصن».
[٣] الرند: شجر طيب الرائحة من شجر البادية. و قد ورد هذا البيت في أكثر الأصول بعد البيت الذي يليه، و قد وضعناه كما ورد في ط، لانسجام الكلام بذلك.
[٤] روى هذا البيت في «شرح الحماسة» هكذا:
بكيت كما يبكي الوليد و لم تكن
جليدا و أبديت الذي لم تكن تبدي
[٥] كذا في ط، ء، م و «الأغاني» (ج ١٥ ص ١٥٦ طبع بولاق) و هو الموافق لما جاء في شرح ديوان الحماسة» للتبريزي و «ديوانه». و في سائر الأصول: «إذا نأى».
[٦] في ط، ء: «يسلي».
[٧] في ط، ء و «شرح الحماسة»: «على ذاك قرب ... إلخ».
[٨] كذا في ط، ء. و في سائر الأصول: «ليس».
[٩] في ط، ء و «مختار الأغاني»: «من بين عينيّ».
[١٠] كذا في ط، ء و «مختار الأغاني». و في سائر الأصول: «فارتفعت».
[١١] في ب، س: «فقلنا» و هو تحريف.
[١٢] الزيادة عن ط، ء و «مختار الأغاني».
[١٣] أطرفه: أتحفه و أتاه بالحديث الجديد.
[١٤] كذا في ط، ء و «مختار الأغاني». و في سائر الأصول: «الأبيات».
[١٥] الحملان (بالضم): ما يحمل عليه من الدواب في الهبة خاصة.