الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٠ - وحوح أخو النابغة
و ما هو أعزّ لي و أذلّ لك؛ ثم أهوى إلى رجل القشيريّ فسحبه على قفاه و نحّاه، و أقعد عبد اللّه بن جعدة مكانه.
قال: و عبد اللّه بن جعدة أوّل من صنع الدّبّابة [١]؛ و كان السبب في ذلك أنهم انتجعوا [٢] ناحية البحرين، فهجموا على عبد لرجل يقال له كودن [٣] في قصر حصين، فدخّن العبد و دعا النساء و الصبيان، فظنوا أنه يطعمهم ثريدا، حتى إذا امتلأ القصر منهم أغلقه عليهم، فصاح النساء و الصبيان، و قام العبد و من معه على شرف القصر، فجعل لا يدنو منه أحد إلا رماه؛ فلما رأى ذلك عبد اللّه بن جعدة صنع دبّابة على جذوع النخل و ألبسها جلود الإبل، ثم جاء بها و القوم يحملونها حتى أسندوها إلى القصر، ثم حفروا حتى خرقوه [٤]؛ فقتل العبد/ و من كان معه و استنقذ صبيانهم و نساءهم. فذلك قول النابغة:
و يوم دعا ولدانكم عبد كودن
فخالوا لدى الدّاعي ثريدا مفلفلا
و في ابن زياد و هو عقبة خيركم
هبيرة ينزو في الحديد مكبّلا
يعني هبيرة بن عامر بن سلمة بن قشير، و كان عبد اللّه بن مالك بن عدس بن ربيعة بن جعدة خرج و معه مالك بن عبد اللّه بن جعدة، حتى مرّوا على بني [٥] زياد/ العبسيّين و الرجال غيب، فأخذوا ابنا لأنس [٦] بن زياد و انطلقوا به يرجون الفداء؛ و انطلق عمّه عمارة بن زياد حتى أتى بني كعب، فلقي هبيرة بن عامر بن سلمة بن قشير، فقال له: يا هبيرة إن الناس يقولون: إنك بخيل؛ قال: معاذ اللّه! قال: فهب لي جبّتك هذه؛ فأهوى ليخلعها، فلما وقعت [٧] في رأسه وثب عليه فأسره، ثم بعث إلى بني قشير: عليّ و عليّ إن قبلت من هبيرة أقلّ من فدية حاجب [٨] إلا أن يأتوني بابن أخي الذي في أيدي بني جعدة؛ فمشت بنو قشير إلى بني جعدة، فاستوهبوه منهم فوهبوه لهم، فافتدوا به هبيرة.
وحوح أخو النابغة:
و أما خبر وحوح أخي النابغة الذي تقدّم ذكره مع نسب أخيه النابغة، فإن أبا عمرو ذكر أن بني كعب أغارت على بني أسد فأصابوا سبيا و أسرى، فركبت بنو أسد في آثارهم حتى لحقوهم بالشّريف [٩]، فعطفت بنو عدس بن
[١] الدبابة: آلة تتخذ من جلود و خشب للحرب يدخل فيها الرجال و يقربونها من الحصن المحاصر لينقبوه و هم في جوفها فتقيهم ما يرمون به من فوقهم.
[٢] الانتجاع: طلب الكلى و مساقط الغيث.
[٣] في م: «كوذن» بالذال المعجمة.
[٤] كذا في ط، ء، م. و في سائر الأصول: «حفروه».
[٥] كذا في ط، ء: «بني زيد العبسيين». و في م: «بني زيد و العبسيين» و كلاهما تحريف.
[٦] كذا في ط، ء، م، و هو أنس بن زياد العبسيّ و يسمى أنس الفوارس، س و له حديث في يوم أقرن. (راجع «النقائض» ص ١٩٤، ٦٧٩). و في سائر الأصول: «أوس»، و هو تحريف.
[٧] في ط، ء، م: «وقفت» بالفاء.
[٨] هو حاجب بن زرارة، و هو من الذين يضرب المثل بفدائهم في الوفرة، و مثله في ذلك بسطام بن قيس و الأشعث بن قيس بن معديكرب الكندي. (راجع «كتاب ما يعوّل عليه في المضاف و المضاف إليه»- حرف الفاء). و سيأتي خبر أسر حاجب بن زرارة هذا و فدائه في «الأغاني» (ج ١٠ ص ٤٢ طبع بولاق).
[٩] كذا في ط، ء، و الشريف (بصيغة التصغير): ماء لبني نمير، و قيل: إنه واد بنجد. و في سائر الأصول: «السديف» (بالسين و الدال المهملتين) و هو تحريف.