الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٨١ - الحارث بن مارية و زهير بن جناب
٥- خبر النّهديّ في هذا الشعر و خبر الوليد بن عقبة و قد مضى نسبه في أوّل الكتاب
الحارث بن مارية و زهير بن جناب:
اخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرني عمي عن ابن الكلبي عن أبيه عن عبد الرحمن المدائني، و كان عالما بأخبار قومه، قال و حدّثنيه أبو مسكين [١] أيضا، قالا:
كان الحارث بن مارية الغسّاني الجفنيّ مكرما لزهير بن جناب الكلبيّ ينادمه و يحادثه، فقدم على الملك رجلان من بني نهد بن زيد يقال لهما حزن و سهل ابنا رزاح، و كان عندهما حديث من أحاديث العرب، فاجتباهما الملك و نزلا بالمكان الأثير منه، فحسدهما زهير بن جناب، فقال: أيها الملك، هما و اللّه عين لذي القرنين عليك (يعني المنذر الأكبر جدّ النعمان بن المنذر)، و هما يكتبان إليه بعورتك و خلل ما يريان منك؛ قال: كلّا! فلم يزل به زهير حتى أوغر صدره، و كان إذا ركب يبعث إليهما ببعيرين يركبان معه، فبعث إليهما بناقة واحدة؛ فعرفا الشرّ فلم يركب أحدهما و توقّف؛ فقال له الآخر:
فإلّا تجلّلها يعالوك فوقها
و كيف توقّى ظهر ما أنت راكبه
فركبها مع أخيه، و مضى بهما فقتلا، ثم بحث عن أمرهما بعد ذلك فوجده باطلا فشتم/ زهيرا و طرده، فانصرف إلى بلاد قومه؛ و قدم رزاح أبو الغلامين إلى الملك، و كان شيخا عالما مجرّبا، فأكرمه الملك و أعطاه دية ابنيه؛ و بلغ زهيرا مكانه، فدعا ابنا له يقال له عامر، و كان من فتيان العرب لسانا و بيانا، فقال له: إنّ رزاحا قد قدم على الملك، فالحق به و احتل في أن تكفينيه، و قال له: اذممني/ عند الملك و نل منّي، و أثّر به آثارا؛ فخرج الغلام حتى قدم الشأم، فتلطّف للدخول على الملك حتى وصل إليه؛ فأعجبه ما رأى منه؛ فقال له: من أنت؟ قال: أنا عامر بن زهير بن جناب؛ قال: فلا حيّاك اللّه و لا حيّا أباك الغادر الكذوب السّاعي! فقال الغلام: نعم، فلا حيّاه اللّه! انظر أيها الملك ما صنع بظهري! و أراه آثار الضرب؛ فقبل ذلك منه و أدخله في ندمائه؛ فبينا هو يحدّثه يوما إذ قال له: أيها الملك، إنّ أبي و إن كان مسيئا فلست أدع أن أقول الحقّ، قد و اللّه نصحك أبي، ثم أنشأ يقول:
فيا لك نصحة لمّا نذقها
أراها نصحة ذهبت ضلالا
ثم تركه أيّاما، و قال له بعد ذلك: أيها الملك، ما تقول في حيّة قد قطع ذنبها و بقي رأسها؟ قال: ذاك أبوك و صنيعه بالرجلين ما صنع؛ قال: أبيت اللّعن! و اللّه ما قدم رزاح إلا ليثأر بهما؛ فقال له: و ما آية ذلك؟ قال: اسقه الخمر ثم ابعث إليه عينا يأتك بخبره؛ فلما انتشى صرفه إلى قبّته و معه بنت له، و بعث عليه عيونا؛ فلما دخل قبّته قامت إليه ابنته تسانده فقال:
[١] في ط، م، ء: «ابن مسكين».