الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٦٦ - عرض للواثق بشعر في تشوقه إلى أهله
سأل المعتصم عن رجل غائب ما ذا يعمل فأجاب:
أخبرنا يحيى بن عليّ قال حدّثنا أبو أيوب المدينيّ عن محمد بن عبد اللّه بن مالك قال حدّثني إسحاق قال:
ذكر المعتصم يوما بعض أصحابه و قد غاب عنه، فقال: تعالوا حتى نقول ما يصنع في هذا الوقت؛ فقال قوم:
يلعب بالنّرد، و قال قوم: يغنّي؛ فبلغتني النوبة، فقال: قل يا إسحاق؛ قلت: إذا أقول و أصيب؛ قال: أتعلم الغيب؟
قلت: لا، و لكنّي أفهم ما يصنع و أقدر على معرفته؛ قال: فإن لم تصب؟ قلت: فإن أصبت؟ قال: لك حكمك، و إن لم تصب؟ قلت: لك دمي؛ قال: وجب؛ قلت: وجب؛ قال: فقل؛ قلت: يتنفّس؛ قال: فإن كان ميتا؟ قلت:
تحفظ الساعة التي تكلّمت فيها، فإن كان مات فيها أو قبلها فقد قمرتني؛ فقال: قد أنصفت؛ قلت: فالحكم؛ قال:
احتكم ما شئت؛ قلت: ما حكمي إلّا رضاك يا أمير المؤمنين؛ قال: فإنّ رضاي لك، و قد أمرت لك بمائة ألف درهم، أ ترى مزيدا؟ فقلت: ما أولاك بذلك يا أمير المؤمنين؛ قال: فإنها مائتا ألف درهم، أ ترى مزيدا؟ قلت: ما أحوجني إلى ذلك يا أمير المؤمنين؛ قال: فإنها ثلاثمائة ألف، أ ترى مزيدا؟ قلت: ما أولاك بذلك يا أمير المؤمنين؛ قال: يا صفيق الوجه! ما نزيدك على هذا شيئا.
مدح سفينة للأمين فأجازه:
أخبرنا يحيى قال حدّثني أبو أيوب قال حدّثني محمد بن عبد اللّه بن مالك قال حدّثني إسحاق قال:
/ عمل محمد [١] المخلوع سفينة فأعجب بها، و ركب فيها يريد الأنبار. فلمّا أمعن و أنا مقبل على بعض [٢] أبواب السفينة صاحوا: إسحاق إسحاق، فوثبت فدنوت منه؛ فقال لي: كيف ترى سفينتي؟ فقلت: حسنة يا أمير المؤمنين، عمّرها اللّه ببقائك. فقام يريد الخلاء و قال لي: قل فيها أبياتا، فقلت: و خرج فقمت بالأبيات؛ فاشتهاها جدّا و قال لي: أحسنت يا إسحاق، و حياتك لأهبنّ لك عشرة آلاف دينار؛ قلت: متى يا أمير المؤمنين؟ إذا وسّع اللّه عليك! فضحك و دعا بها على المكان. و لم يذكر يحيى في خبره الأبيات.
عرض للواثق بشعر في تشوّقه إلى أهله:
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال:
غنّيت الواثق في شعر قلته و أنا عنده بسرّ من رأى و قد طال مقامي و اشتقت إلى أهلي، و هو:
صوت
يا حبّذا ريح الجنوب إذا بدت
في الصبح و هي ضعيفة الأنفاس
قد حمّلت برد النّدى و تحمّلت
عبقا من الجثجاث [٣] و البسباس
[١] هو الخليفة محمد الأمين بن هارون الرشيد، سمى المخلوع لأن أهل مكة و المدينة و كثيرا من عماله خلعوه و بايعوا المأمون و هو بخراسان.
[٢] في ح: «على باب السفينة».
[٣] الجثجاث كما في «اللسان»: شجر أصفر مرّ طيب الريح تستطيبه العرب و تكثر ذكره في أشعاره. و قال أبو حنيفة الدينوري: إنه من أحرار الشجر و هو أخضر ينبت في القيظ، له زهرة صفراء كأنها زهرة العرفجة طيبة الريح. و قال ابن البيطار في مفرداته: أول ما رأيته بساحل نيل مصر في أعلاه في صحاريه بمقربة من ضيعة هناك تسمى شاهور و هي على طريق الطرّانة. و قال داود في تذكرته: