الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١١٣ - نسبة هذا الصوت
لقي الفضل بن يحيى أبي و هو خارج من عند الفضل بن الرّبيع، و كانا متجاورين في الشّمّاسيّة [١]، فقال: من أين يا أبا إسحاق؟ أ من عند الفضل بن الربيع؟ قلت: نعم، غير معتذر من ذلك؛ فقال: خروج من عند الفضل بن الربيع إلى الفضل بن يحيى! هذان و اللّه أمران لا يجتمعان لك! فقال: و اللّه لئن لم يكن فيّ ما يتّسع لكما حتى يكون الوفاء لكما جميعا واحدا ما فيّ خير، و اللّه لا أترك واحدا منكما/ لصاحبه، فمن قبلني على هذا قبلني، و من لم يقبلني فهو أعلم؛ فقال له الفضل بن يحيى: أنت عندي غير متّهم، و الأمر كما قلت، و قد قبلتك على ذلك.
كان في الحبس فذكر للرشيد فأحضره فغناه فوصله:
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق قال حدّثني أبي:
أن الرشيد غضب عليه فقيّده و حبسه بالرّقّة [٢]، ثم جلس للشرب يوما في مجلس قد زيّنه و حسّنه، فقال لعيسى بن جعفر: هل لمجلسنا عيب؟ قال: نعم، غيبة إبراهيم الموصلي عنه؛ فأمر بإحضاري فأحضرت في قيودي، ففكّت عنّي بين يديه، و أمرهم فناولوني عودا و قال: غنّني يا إبراهيم؛ فغنّيته:
تضوّع مسكا بطن [٣] نعمان أن مشت
به زينب في نسوة خفرات [٤]
فاستعاده و شرب و طرب، و قال: هنأتني يومي و سأهنئك بالصّلة، و قد وهبت لك الهنيء و المريء [٥]؛ فانصرفت، فلما أصبحت عوّضت منهما مائتي ألف درهم.
نسبة هذا الصوت
صوت
تضوّع مسكا بطن نعمان أن مشت
به زينب في نسوة خفرات
مررن بفخّ [٦] رائحات عشيّة
يلبّين للرّحمن معتمرات
/ يخمّرن [٧] أطراف البنان من التّقي
و يقتلن بالألحاظ مقتدرات [٨]
[١] الشماسية: محلة مجاورة لدار الروم التي في أعلى مدينة بغداد و إليها ينسب باب الشماسية. و فيها كانت دار معز الدولة أبي الحسين أحمد بن بويه.
[٢] الرقة: مدينة على الجانب الشرقي من الفرات بينها و بين حرّان ثلاثة أيام.
[٣] بطن نعمان: واد بين مكة و الطائف كثير الأراك.
[٤] في م: «عطرات».
[٥] يريد أنه أقطعه ضيعتهما؛ و الهنيء و المريء كما في ياقوت: نهران بإزاء الرقة و الرافقة حفرهما هشام بن عبد الملك و أحدث فيهما مدينة «واسط الرقة». قال ياقوت نقلا عن البلاذري: ثم إن تلك الضيعة (أعني الهنيء و المريء) قبضت في أوّل الدولة العباسية و انتقلت إلى أم جعفر و زادت في عمارتها، ثم قال: و هما يسقيان عدّة بساتين، مستمدها من الفرات و مصبهما فيه.
[٦] فخ: موضع بينه و بين مكة ثلاثة أميال؛ روى أن النبيّ صلى اللّه عليه و سلّم اغتسل به قبل دخوله مكة، و به كانت وقعة الحسين و عقبة، و به مقابر المهاجرين كل من جاور بمكة منهم فمات يوارى هناك. ( «معجم ما استعجم» للبكري).
[٧] يخمرن: يغطين.
[٨] روى المبرد هذا البيت في الكامل هكذا:
يخبأن أطراف البنان من التقى
و يخرجن شطر الليل معتجرات
و معتجرات: مختمرات بالمعاجر، و المعجر: ثوب تشده المرأة على رأسها.