الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٣٧ - قصة له مع الواثق بشأن الغناء و الألحان
فاسدا إذا كان فيه فساد؛ و إن كان صحيحا قال فيه ما عنده؛ فأمر بالكتاب [١] بحمله فحمل و أحضر، فأظهر الرضا عنه و لزمه أيّاما؛ ثم أحلفه ليصدقنّ عما يمرّ في مجلسه فحلف له. ثم غنّى الواثق أصواتا يسأله عنها أجمع فيخبر فيها بما عنده؛ ثم غنّته فريدة هذا الصوت و سأله الواثق عنه، فرضيه و استجاده، و قال له: ليس على هذا سمعته في المرّة الأولى، و أبان عن المواضع الفاسدة و أخبر بإفساد مخارق إياها؛ فسكن غضبه و وصل إسحاق و تنكّر لمخارق مدّة.
قصة له مع الواثق بشأن الغناء و الألحان:
أخبرنا يحيى بن عليّ قال حدّثنا أبو أيّوب المدينيّ قال حدّثنا محمد بن عبد اللّه بن مالك قال حدّثني إسحاق الموصليّ:
/ أنه دخل على إسحاق بن إبراهيم الطّاهريّ، و قد كان تكلّم له في حاجة فقضيت، فقال له: أعطاك اللّه أيها الأمير ما لم تحط به أمنيّة و لا تبلغه رغبة. قال: فاشتهى هذا الكلام و استعاده منّي فأعدته. ثم مكثنا ما شاء اللّه، و أرسل الواثق إلى محمد [٢] بن إبراهيم يأمره بإخراجي إليه في الصوت الذي أمرني به بأن أغنّي فيه، و هو:
لقد بخلت حتّى لو أنّي سألتها
فغنّيته إيّاه، فأمر لي بمائة ألف درهم. فخرجت و أقمت ما شاء اللّه ليس أحد من مغنّيهم يقدر أن يأخذ هذا الغناء منّي. فلمّا طال مقامي قلت له: يا أمير المؤمنين، ليس أحد من هؤلاء المغنّين يقدر أن يأخذ هذا الصوت منّي؛ فقال لي: و لم؟ ويحك! فقلت: لأني لا أصحّحه و لا تسخو نفسي به لهم؛ فما فعلت الجارية التي أخذتها منّي؟ (يعني شجا، و هي التي كان أهداها إلى الواثق و عمل مجرّد أغانيها و جنّسه و نسبه إلى شعرائه و مغنّيه، و هو الذي في أيدي الناس إلى اليوم)؛ فقال: و كيف؟ قال: لأنها تأخذه منّي و يأخذونه هم منها؛ فأمر بها فأخرجت و أخذته على المكان؛ فأمر لي بمائة ألف درهم و أذن لي في الانصراف؛ و كان إسحاق بن إبراهيم الطاهريّ حاضرا، فقلت للواثق عند وداعي له: أعطاك اللّه يا أمير المؤمنين ما لم تحط به أمنيّة و لم تبلغه رغبة؛ فالتفت إليّ إسحاق بن إبراهيم فقال لي: أي إسحاق أ تعيد الدعاء! فقلت: إي و اللّه أعيده قاض أنا أو مغنّ. و قدمت بغداد، فلمّا وافى إسحاق جئته مسلّما عليه؛ فقال لي: ويحك يا إسحاق! أ تدري ما قال أمير المؤمنين بعد خروجك من عنده؟ قلت:
لا أيها الأمير؛ قال قال لي: ويحك! كنّا أغنى/ الناس عن أن نبعث إسحاق على لحننا حتى أفسده علينا. قال عليّ بن يحيى: فحدّثني إسحاق قال: استأذنت الواثق عدّة دفعات في الانحدار إلى بغداد فلم يأذن لي، فصنعت لحنا في:
خليليّ عوجا من صدور الرّواحل
ثم غنّيته الواثق فاستحسنه و عجب من صحّة قسمته و مكث صوته أيّاما، ثم قال لي: يا إسحاق، قد صنعت
[١] في الأصول: «فأمر بالكتاب بحمله فحمله و أحضر ...» و عبارة «مختار الأغاني»: «فأمر بحمله فحمل و أظهر له الرضا عنه ...».
[٢] هو محمد بن إبراهيم بن مصعب بن زريق أخو إسحاق بن إبراهيم الطاهري، كان من القوّاد الكبار في أيام المعتصم و الواثق و المتوكل، قتل في خلافة المتوكل سنة ٢٣٦ ه (راجع الطبري ص ١٢٩٠- ١٢٩٢، ١٢٩٨- ١٣٠٠، ١٤٠٤- ١٤٠٦ من القسم الثالث).