الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٧ - يوم شراحيل
مغيرا في جمع عظيم من اليمن، و كان قد طال عمره و كثر تبعه و بعد صيته و اتصل ظفره، و كان قد صالح بني عامر على أن يغزو العرب مارّا بهم في بدأته و عودته لا يعرض أحد منهم لصاحبه [١]؛ فخرج غازيا في بعض غزواته فأبعد، ثم رجع إليهم فمرّ على بني جعدة فقرته و نحرت له؛ فعمد ناس من أصحابه سفهاء فتناولوا إبلا لبني جعدة فنحروها؛ فشكت ذلك بنو جعدة إلى شراحيل، فقالوا: قريناك و أحسنّا ضيافتك ثم لم تمنع أصحابك مما يصنعون! فقال: إنهم قوم مغيرون، و قد أساءوا لعمري! و إنما يقيمون عندكم يوما أو يومين ثم يرتحلون عنكم. فقال الرّقاد/ بن عمرو بن ربيعة بن جعدة لأخيه ورد بن عمرو- و قيل: بل قال ذلك لابن أخيه الجعد بن ورد-: دعني أذهب إلى بني قشير- قال: و جعدة و قشير أخوان لأمّ و أب، أمّهما ريطة بنت قنفذ بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور- فأدعوهم، و اصنع أنت يا هذا لشراحيل طعاما حسنا كثيرا، و ادعه و أدخله إليك فاقتله، فإن احتجت إلينا فدخّن، فإني إذا رأيت الدّخان أتيتك بهم فوضعنا سيوفنا [٢] على القوم. فعمد و رد هذا إلى طعام فأصلحه،/ و دعا شراحيل و ناسا من أصحابه و أهله و بني عمه، فجعلوا كلّما دخل البيت رجل قتله ورد، حتى انتصف النهار؛ فجاء أصحاب شراحيل يتبعونه، فقال لهم ورد: تروّحوا [٣] فإنّ صاحبكم قد شرب و ثمل و سيروح [فرجعوا] [٤]؛ و دخّن ورد، و جاءت قشير، فقتلوا من أدركوا من أصحابه، و سار سائرهم؛ و بلغهم قتل شراحيل، فمرّوا على بني عقيل، و هم إخوتهم، فقالوا: لنقتلنّ مالك بن المنتفق؛ فقال لهم مالك: أنا آتيكم بورد؛ فركب ببني عقيل إلى بني جعدة و قشير ليعطوهم وردا؛ فامتنعوا من ذلك و ساروا بأجمعهم فذبّوا عن عقيل، حتى تفرّق من كان مع شراحيل. فقال في ذلك بحير [٥] [بن] [٦] عبد اللّه بن سلمة:
أ حيّ يتبعون العير نحرا [٧]
أحبّ إليك أم حيّا هلال
لعلك قاتل وردا و لمّا
تساق [٨] الخيل بالأسل النّهال
[١] كذا في ط. و في باقي الأصول: «... في بدأته و عودته و لا يعرض واحد منهم صاحبه ...».
[٢] وضعنا سيوفنا على القوم: ألقينا بها و أسقطناها عليهم أي ضربناهم بها؛ يقال: وضع السيف إذا ضرب به؛ قال سديف:
فضع السيف و ارفع السوط حتى
لا ترى فوق ظهرها أمويا
[٣] تروّح فلان: سار في الرواح، أي العشيّ، مثل راح.
[٤] زيادة عن ط، ء.
[٥] كذا ورد هذا الاسم في عدة مواضع من كتاب «النقائض» و كتاب «أشعار النساء» للمرزباني، و هو بالباء الموحدة من تحت و الحاء المهملة على وزان أمير. و في الأصول «بجير» بالجيم، و هو تصحيف.
[٦] التكملة عن ط، م، ء و كتاب «النقائض» و «أشعار النساء» للمرزبانيّ.
[٧] كذا ورد هذا البيت في أكثر الأصول، و ورد في م: «يبتغون ... تجرا» بالجيم. و أورد المرزباني هذا البيت، ببعض اختلاف في كلماته عما هنا، ضمن أبيات قالها بحير هذا في قصة له خلاصتها أن ضباعة بنت عامر بن قرط بن سلمة بن قشير تزوّجت من هوذة ابن علي الحنفي الذي كان يمدحه الأعشى فمات عنها و أصابت منه مالا كثيرا، فخطبها ابن عمها بحير بن عبد اللّه بن سلمة فلم تزوّجه، فخطبها عبد اللّه بن جدعان التيميّ إلى أبيها فزوّجه إياها، فلما أهديت إليه قال ابن عمها بحير:
لنعم الحيّ لم تربع عليهم
ضباعة يوم منقى اللحم غال
و نعم الحيّ حيّ بني أبيها
إذا قرع المقانب بالعوالي
أقوم يقتنون الإبل تجرا
أحب إليك أم قوم حلال
حلال: مقيمون. و في هذا الشعر على هذه الرواية إقواء، و هو اختلاف حركة الرويّ. «و تجر» إما أن يكون مصدرا نصب على التعليل أو جمعا لتاجر كصحب جمعا لصاحب.
[٨] تساق: أصله تتساقى و في الأصول: «تساقى» ببقاء حرف العلة في آخره و هو مجزوم. و الأسل: الرماح. و النهال: الريانة، واحدها:
ناهل، و يطلق الناهل أيضا على العطشان، فهو من الأضداد.