الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٥٤ - طلب الخلوة في بيته يوما فزعم بأن إبليس زاره و طارحه الغناء
رآه ثمامة بن أشرس مع يزيد حوراء مصطبحين يغنياه فأعجب بما كانا فيه:
حدّثني عمّي قال حدّثني أحمد بن الطّيّب السّرخسيّ قال حدّثني أحمد بن ثابت العبديّ عن أبي الهذيل العلّاف رأس المعتزلة عن ثمامة بن أشرس قال:
مررت بإبراهيم الموصليّ و يزيد حوراء و هما مصطبحان [١]، و قد أخذا بينهما صوتا يغنّيانه: هذا بيتا و هذا بيتا، و هو:
صوت
أيا جبلي نعمان باللّه خلّيا
سبيل [٢] الصّبا يخلص إليّ نسيمها
فإنّ الصّبا ريح إذا ما تنسّمت
على نفس مهموم تجلّت همومها
طلب الخلوة في بيته يوما فزعم بأن إبليس زاره و طارحه الغناء:
أخبرنا محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن جدّه إبراهيم قال:
سألت الرشيد أن يهب لي يوما في الجمعة لا يبعث فيه إليّ بوجه و لا بسبب، لأخلو فيه بجواريّ و إخواني، فأذن لي في يوم السبت، و قال لي [٣]: هو يوم أستثقله، فاله فيه بما شئت؛ فأقمت يوم [٤] السبت بمنزلي و تقدّمت في إصلاح [٥] طعامي و شرابي بما احتجت إليه، و أمرت بوّابي فأغلق الأبواب و تقدّمت [٦] إليه ألّا يأذن/ عليّ لأحد؛ فبينا أنا في مجلس و الخدم [٧] قد حفّوا بي و جواريّ يترددن بين يديّ، إذا أنا بشيخ ذي هيئة و جمال، عليه خفّان قصيران و قميصان ناعمان،/ و على رأسه قلنسوة لاطئة [٨]، و بيده عكّازة مقمّعة بفضّة، و روائح المسك تفوح منه حتى ملأ البيت و الدار؛ فداخلني بدخوله عليّ مع ما تقدّمت فيه غيظ ما تداخلني قطّ مثله، و هممت بطرد بوّابي و من حجبني لأجله؛ فسلّم عليّ أحسن سلام فرددت عليه، و أمرته بالجلوس فجلس، ثم أخذ [بي] [٩] في أحاديث الناس و أيام العرب و أحاديثها و أشعارها حتى سلّى [١٠] ما بي من الغضب، و ظننت أنّ غلماني تحرّوا مسرّتي بإدخالهم مثله عليّ لأدبه و ظرفه؛ فقلت: هل لك في الطعام؟ فقال: لا حاجة لي فيه؛ فقلت: هل لك في الشراب؟ فقال: ذلك إليك، فشربت رطلا و سقيته مثله؛ فقال لي: يا أبا إسحاق، هل لك أن تغنّي لنا شيئا من صنعتك و ما [١١] قد نفقت به
[١] كذا في ط، ء. و في سائر الأصول: «مصطحبان».
[٢] كذا في ط، ء. و في سائر الأصول: «نسيم الصبا».
[٣] كذا في ط، ء. و في سائر الأصول: «فقال: هو ... إلخ».
[٤] كذا في ط، ء. و في سائر الأصول: «فأقمت في يوم ... إلخ».
[٥] في ب: «في اصطلاح» و هو تحريف.
[٦] تقدمت إليه: أمرته.
[٧] في ب، س، م: «و الحرم».
[٨] يقال: تقلس باللاطئة و هي قلنسوة صغيرة تلطأ (تلزق) بالرأس.
[٩] زيادة عن ط، ء، ح.
[١٠] لعله ضمن «سلى» معنى أذهب و أزال، على أنه لا يبعد أن يكون أصله «سل». و في ط، ء: «سلا».
[١١] كذا في ب، س، ح و «مختار الأغاني» لابن منظور. و في ط، ء: «من صنعتك ما قد فقت به ... إلخ». و في م: «من صنعتك ما قد تغنيت به ... إلخ».