الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٨٤ - فضل في مجلس الواثق زلزلا على ملاحظ فتحداه ملاحظ فأظهر هو براعة فائقة
لي، فزادني عودا آخر؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا الصوت محدث لا مرأة ضاربة؛ فقال: من أين قلت ذلك؟
فقلت: لمّا سمعته و سمعت لينه عرفت أنه من صنعة النساء؛ و لمّا رأيت جودة مقاطعه علمت أن صاحبته ضاربة؛ فقال: من أين قلت ذلك؟ فقلت: لأنها قد حفظت مقاطعه و أجزاءه، ثم طلبت عودا آخر ليكون أثبت لي فلم أشكك؛ فقال: صدقت، الغناء لعريب.
امتحن بإدخال لحن رومي في شعر عربي و غنى في درج أصوات، فلما سمعه عرفه و استخرجه:
نسخت من كتاب ابن أبي سعيد [١]: حدّثني إسحاق بن إبراهيم الطّاهريّ [٢] قال: حدّثتني مخارق مولاتنا قالت:
كان لمولاي الذي علّمني الغناء فرّاش روميّ، و كان يغنّي بالروميّة صوتا مليح اللحن؛ فقال لي مولاي:
يا مخارق، خذي هذا اللحن الروميّ فانقليه إلى شعر من أصواتك العربيّة حتى أمتحن به إسحاق الموصليّ فأعلم أين يقع من معرفته، ففعلت ذلك؛ و صار إليه إسحاق فاحتبسه مولاي، فأقام و بعث إليّ أن أدخلي اللحن الروميّ في وسط غنائك؛ فغنّيته إياه في درج أصوات مرّت قبله، فأصغى إليه إسحاق، و جعل يتفهّمه و يقسّمه و يتفقّد أوزانه و مقاطعه و يوقع عليه بيده، ثم أقبل على مولاي فقال: هذا صوت روميّ اللحن، فمن أين وقع إليك؟/ فكان مولاي بعد ذلك يقول: ما رأيت شيئا أحسن من استخراجه لحنا روميّا لا يعرفه و لا العلّة فيه، و قد نقل إلى غناء عربيّ و امتزجت نغمه حتى عرفه و لم يخف عليه.
فضل في مجلس الواثق زلزلا على ملاحظ فتحدّاه ملاحظ فأظهر هو براعة فائقة:
أخبرني عمّي قال حدّثني محمد بن موسى قال حدّثني عبد اللّه [٣] بن عمرو عن محمد بن عبد اللّه بن مالك قال حدّثني علّويه الأعسر، و وجدت هذا الخبر في بعض الكتب عن عليّ بن محمد بن نصر الشاميّ عن جدّه حمدون بن إسماعيل قال:
تناظر المغنّون يوما عند الواثق، فذكروا الضّرّاب و حذقهم، فقدّم إسحاق زلزلا على ملاحظ، و لملاحظ في ذلك الرئاسة على جميعهم؛ فقال له الواثق: هذا حيف و تعدّ منك؛ فقال إسحاق: يا أمير المؤمنين، اجمع بينهما و امتحنهما، فإن الأمر سينكشف لك فيهما؛ فأمر بهما فأحضرا؛ فقال له إسحاق؛ إن للضّرّاب أصواتا معروفة، أ فأمتحنهما بشيء منها؟ قال: أجل، افعل؛ فسمّى ثلاثة أصوات كان أوّلها:
علّق قلبي ظبية السّيب [٤]
فضربا عليه، فتقدّم زلزل و قصّر عنه ملاحظ؛ فعجب الواثق من كشفه عما ادّعاه في مجلس واحد. فقال له
[١] هو أبو عبيد اللّه بن أبي سعيد الوراق، و كان أخبار يا نسابة راوية للشعر. و في ب، س: «ابن أبي سعد»، و هو تحريف.
[٢] كذا في ح (بالطاء المهملة)، و قد صححه كذلك الأستاذ الشنقيطي في نسخته. و هو إسحاق بن إبراهيم بن مصعب حاكم بغداد في أيام المأمون و المعتصم و الواثق، و هو من قرابة طاهر بن الحسين، و إليه ينسب. و في باقي الأصول هنا: «الظاهري» بالظاء المعجمة، و هو تصحيف. على أنه سيأتي في الأصول جميعا أكثر من مرة «الطاهري» بالمهملة كما في ح هنا.
[٣] تكرر هذا السند أكثر من مرة في أخبار إسحاق، و فيه عبد اللّه بن أبي سعد بدل عبد اللّه بن عمرو.
[٤] السيب (بكسر أوّله و سكون ثانيه): كورة من سواد الكوفة، و هو أيضا نهر بالبصرة فيه قرية كبيرة، و موضع بخوارزم. (مختصر من «معجم البلدان» لياقوت).