الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٤٩ - كان يغني الرشيد ليلة فبلغه ما أغضبه فما زال يغنيه حتى سر الرشيد و أجزل صلته
أ عمرو علام تجنّبتني
أخذت فؤادي و عذّبتني
فلو كنت يا عمرو و خبّرتني [١]
أخذت حذاري فما نلتني
فقلت لها: يا هذه، من عمرو؟ قالت: زوجي؛ قلت: و ما شأنه؟ قالت: أخبرني أنه يهواني و ما زال يطلبني حتى تزوّجته، فلبث معي قليلا ثم مضى إلى جدّة و تركني؛ فقلت لها: صفيه لي؛ قالت: أحسن من أنت رائيه سمرة و أحلاهم حلاوة و قدّا؛ فركبت رواحلي مع غلماني و صرت إلى جدّة، فوقفت في موضع المرفأ أتبصّر من يحمل من السفن، و أمرت من يصوت: يا عمرو يا عمرو، و إذا أنا به خارجا [٢] من سفينة على عنقه صنّ [٣] فيه طعام، فعرفته بصفتها و نعتها إياه، فقلت:
أ عمرو علام تجنّبتني
أخذت فؤادي و عذّبتني
فقال: هيه [٤]! أ رأيتها و سمعت منها؟ فقلت: نعم، فأطرق هنيهة يبكي، ثم اندفع فغنّى به أملح غناء سمعته، و ردّده عليّ حتى أخذته منه، و إذا هو أحسن الناس غناء؛ فقلت له: أ لا ترجع إليها؟ فقال: طلب المعاش يمنعني؛ فقلت: كم يكفيك معها في كلّ سنة؟ فقال: ثلاثمائة درهم- قال إسحاق: قال لي أبي: فو اللّه يا بنيّ لو قال ثلاثمائة دينار لطابت نفسي بها- فدعوت به فأعطيته ثلاثة آلاف درهم، و قلت له: هذا/ لعشر سنين على أن تقيم معها، فلا تطلب المعاش إلا حيث هي مقيمة معك، و يكون ذلك فضلا؛ و رددته معي إليها.
كان يغني الرشيد ليلة فبلغه ما أغضبه فما زال يغنيه حتى سرّ الرشيد و أجزل صلته:
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا عليّ بن محمد النّوفليّ [٥] قال حدّثنا صالح بن عليّ (يعني الأضخم) [٦] عن إبراهيم الموصليّ- قال: و كان صالح جاره- قال:
بينا أنا عشيّة في منزلي إذ أتاني خادم من خدم الرشيد فاستحثّني بالركوب [إليه] [٧] فخرجت شبيها بالراكض، فلما صرت إلى الدّار عدل بي عن المدخل إلى طرق لا أعرفها، فانتهي بي إلى دار حديثة البناء، فدخلت صحنا واسعا، و كان الرشيد يشتهي الصّحون الواسعة، فإذا هو جالس على كرسيّ في وسط ذلك الصّحن، ليس عنده أحد إلا خادم يسقيه، و إذا هو في لبسته التي كان يلبسها في الصيف: غلالة [٨] رقيقة متوشّح عليها بإزار رشيديّ [٩] عريض العلم مضرّج [١٠]؛ فلما رآني هشّ لي و سرّ، و قال: يا موصليّ، إني اشتهيت أن أجلس في هذا الصّحن فلم
[١] في ط، ء: «حذرتني».
[٢] في الأصول: «خارج».
[٣] كذا في أكثر الأصول. و الصنّ (بالفتح): شبه السلة المطبقة، يجعل فيها الطعام و الخبز. و في ب، س: «ضبن» بالضاد و الباء، و الضبن: الحمل، و هو لا يلتئم مع ما بعده.
[٤] هيه (بكسر الهاء الأخيرة و فتحها): معناه طلب الحديث و الاستزادة منه.
[٥] كذا في ط، ء، و هو الموافق لما جاء في «الأغاني» (ج ٣ ص ١٧٤ من هذه الطبعة) و الطبري (قسم ٣ ص ٥٩٦ طبع أوروبا). و في سائر الأصول: «محمد بن يحيى النوفلي».
[٦] في ب، س: «الأضحم» بالحاء المهملة، و هو تصحيف. (انظر الطبري قسم ٣ ص ٥٩٦).
[٧] زيادة عن ط، ء.
[٨] الغلالة: الشعار الذي يلبس تحت الثياب و يلي شعر الجسد.
[٩] في «مختار الأغاني»: «سندي».
[١٠] مضرج: مصبوغ بضرب من الصبغ أحمر.