الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١١ - مهاجاته أوس بن مغراء
استأذن عثمان في سكنى البادية:
دخل النابغة الجعديّ على عثمان رضي اللّه تعالى عنه فقال: أستودعك اللّه يا أمير المؤمنين؛ قال: و أين تريد يا أبا ليلى؟ قال: ألحق بإبلي فأشرب من ألبانها فإني منكر لنفسي؛ فقال: أ تعرّبا [١] بعد الهجرة يا أبا ليلى! أ ما علمت أن ذلك مكروه؟! قال: ما علمته، و ما كنت لأخرج حتى أعلمك. قال: فأذن له، و أجّل له في ذلك أجلا؛ فدخل على الحسن و الحسين ابني عليّ فودّعهما؛ فقالا له: أنشدنا من شعرك يا أبا ليلى؛ فأنشدهما:
الحمد للّه لا شريك له
من لم يقلها فنفسه ظلما
فقالا: يا أبا ليلى، ما كنا نروي هذا الشعر إلا لأميّة بن أبي الصّلت؛ فقال: يا بني رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إني لصاحب هذا الشعر و أوّل من قاله، و إن السّروق [٢] لمن سرق شعر أمية.
كان مغلبا ما هاجى قط إلا غلب:
قال أبو زيد عمر [٣] بن شبّة في خبره:
كان النابغة شاعرا متقدّما، و كان مغلّبا ما هاجى قطّ إلا غلب، هاجى أوس بن مغراء و ليلى الأخيليّة و كعب بن جعيل فغلبوه جميعا.
مهاجاته أوس بن مغراء:
و قال أبو عمرو الشّيبانيّ: كان بدء حديث النابغة و أوس بن مغراء أنّ معاوية لما وجّه بسر بن أرطاة [٤] الفهريّ لقتل شيعة عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه،/ قام إليه معن بن يزيد بن الأخنس السّلميّ و زياد بن الأشهب بن ورد بن عمرو بن ربيعة بن جعدة، فقالا: يا أمير المؤمنين، نسألك باللّه و بالرحم ألّا تجعل لبسر على قيس سلطانا، فيقتل [٥] قيسا بمن قتلت بنو/ سليم من بني فهر و بني كنانة يوم دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مكة؛ فقال معاوية: يا بسر لا أمر [٦] لك على قيس؛ و سار بسر حتى أتى المدينة، فقتل [٧] ابني عبيد اللّه بن العباس، و فرّ أهل المدينة و دخلوا الحرّة (حرّة بني سليم). ثم سار بسر حتى أتى الطائف؛ فقالت له ثقيف: ما لك علينا سلطان، نحن من قيس؛ فسار حتى أتى همدان و هم في جبل لهم يقال له شبام، فتحصّنت فيه همدان، ثم نادوا: يا بسر نحن همدان و هذا شبام، فلم يلتفت إليهم؛ حتى إذا اغترّوا و نزلوا إلى قراهم، أغار عليهم فقتل و سبى نساءهم؛ فكنّ أوّل مسلمات سبين في
[١] يقال: تعرّب الرجل: صار أعرابيا بعد أن كان عربيا و في الحديث: ثلاث من الكبائر: منها التعرّب بعد الهجرة و هو أن يعود إلى البادية و يقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجرا.
[٢] في م: «إن السروق عين السروق من ...».
[٣] في الأصول: «قال أبو زيد قال عمر .... إلخ» بزيادة «قال» و هو خطأ، إذ أبو زيد كنية عمر بن شبة. و في م: «قال أبو زيد في خبره» دون «عمر بن شبة».
[٤] في «أسد الغابة» «و قيل: ابن أبي أرطاة» و مثله في «طبقات ابن سعد». و في «الاستيعاب»: «بسر بن أرطاة بن أبي أرطاة» و هو أحد من بعثه عمر بن الخطاب مددا لعمرو بن العاص لفتح مصر و شهد صفين مع معاوية و كان شديدا على عليّ و أصحابه.
[٥] كذا في م. و في باقي الأصول: «فيجعل قيسا ...» و هو تحريف.
[٦] في م: «لا إمرة على قيس ... إلخ».
[٧] في الطبري «و المعارف» لابن قتيبة أن قتلهما كان باليمن، و قد كان أبوهما واليا عليها من قبل عليّ، فلما بلغه مسير بسر فرّ إلى الكوفة، فكان من أمر ابنيه الطفلين ما ذكر.