الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٥١ - كانت لزلزل جارية مطبوعة فلما مات عنها أخبر هو بها الرشيد فابتاعها و أعتقها
خرج [رسول] [١] الرشيد ذات ليلة إلى المغنّين فقال: غنّوا:
يا خليليّ قد مللت ثوائي
بالمصلّى و قد سئمت [٢] البقيعا [٣]
بلّغاني [٤] ديار هند و سعدى
و ارجعاني فقد هويت الرجوعا
قال: فغنّاه ابن جامع، فلمّا فرغ منه طرب الرشيد و شرب؛ فقال له إبراهيم الموصليّ: يا سيّدي، فاسمعه من نبيطيّك فغنّاه، فجعل ابن جامع يزحف من أوّل البيت إلى آخره، و طرب هارون فقال: ارفعوا الستارة؛ فقال له ابن جامع: منّي و اللّه أخذه يا أمير المؤمنين؛ فأقبل على إبراهيم فقال: بحياتي صدق؟ قال: صدق و حياتك يا سيّدي؛ قال: و كيف أخذته و هو أبخل [٥] الناس إذا سئل شيئا؟ قال: تركته يغنّيه و كان إذا سكر يسترسل فيه فيغنّيه مستويا و لا يتحرّز منّي، فأخذته على هذا منه حتى وفيت [٦] به.
كانت لزلزل جارية مطبوعة فلما مات عنها أخبر هو بها الرشيد فابتاعها و أعتقها:
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال:
كان برصوما الزّامر و زلزل الصارب من سواد أهل الكوفة من أهل الخشنة [٧] و البذاذة و الدناءة، فقدم بهما أبي معه سنة حجّ، و وقفهما على الغناء العربيّ و أراهما وجوه النّغم و ثقّفهما حتى بلغا المبلغ الذي بلغاه من خدمة الخليفة، و كان أطبع أهل دهرهما في صناعتهما؛ فحدّثني أبي قال: كان لزلزل جارية قد ربّاها و علّمها الضرب و سألني مطارحتها [فطارحتها] [٨]، و كانت مطبوعة حاذقة؛ قال: فكان يصونها أن يسمعها أحد؛ فلما مات بلغني أنها تعرض في ميراثه للبيع، فصرت إليها لأعترضها؛ فغنّت:
أقفر من أوتاره العود
فالعود للأوتار معمود
و أوحش المزمار من صوته
فما له بعدك تغريد
/ من للمزامير و عيدانها
و عامر اللّذات مفقود
الخمر تبكي في أباريقها
و القينة الخمصانة الرّود [٩]
قال: و هذا شعر رثاه به صديق له كان بالرّقّة [١٠]؛ قال: فأبكت و اللّه عيني و أوجعت قلبي. فدخلت على الرشيد
[١] التكملة عن ط، ء، إذ المعروف عن الخلفاء أنهم كانوا يجلسون وراء ستارة بينها و بين الندماء عشرون ذراعا، و كان يوكل بهذه الستارة حاجب ينهى إلى المغنين ما يريده الخليفة. (انظر «كتاب التاج» للجاحظ ص ٣٧ طبع بولاق) في كلامه على الرشيد و غيره من ملوك الإسلام و الفرس، و سيأتي في بقية الخبر ما يؤيد ذلك.
[٢] في ط، ء: «شنئت».
[٣] المصلي و البقيع: موضعان بالمدينة.
[٤] في ط، ء: «بلغا بي ... و راجعا بي».
[٥] كذا في ط، ء. و في سائر الأصول: «قال: و كيف أخذته؟ قال: هو أبخل الناس إذا سئل شيئا، فتركته ... إلخ».
[٦] يريد: جئت به وافيا تاما لم أنقص منه شيئا.
[٧] كذا في أكثر الأصول. و الخشنة (بضم أوله و تسكين ثانيه): الخشونة، و رجل ذو خشنة: صعب لا يطاق. و البذاذة: رثاثة الهيئة.
و في أ: «الخسة» بالسين المهملة.
[٨] زيادة عن ط، ء.
[٩] الرؤد (وزان قفل و سهلت همزته): الشابة الناعمة الحسنة.
[١٠] كذا في ط، ء. و في باقي الأصول: «رثاه به صديق له كان يألفه فأبكت ... إلخ».