الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٩ - إسحاق الموصلي و حديثه عن مطرف أخذه من إبراهيم بن المهدي
فلم تجبني و أعرضت صلفا
و غادرتني بحبّها كلفا
الغناء للهذليّ ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى.
رقص أشعب ابنه و قال هذا ابن مزامير داود:
أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة عن إسحاق قال:
زوّج ابن سريج لما حضرته الوفاة الهذليّ الأكبر بابنته، فأخذ عنها أكثر غناء أبيها، و ادّعاه فغلب عليه. قال:
و ولدت منه ابنا؛ فلما أيفع جاز يوما بأشعب و هو جالس في فتية من قريش، فوثب فحمله على كتفه و جعل يرقّصه و يقول: هذا ابن دفّتي المصحف و هذا ابن مزامير داود؛ فقيل له: ويلك! ما تقول/ و من هذا الصبيّ؟ فقال: أ و ما تعرفونه! هذا ابن الهذليّ من ابنة ابن سريج، ولد على عود، و استهلّ بغناء، و حنّك [١] بملوى [٢]، و قطعت سرّته بوتر [٣]، و ختن بمضراب.
إسحاق الموصلي و حديثه عن مطرف أخذه من إبراهيم بن المهدي:
و ذكر يحيى بن عليّ بن يحيى عن أبيه عن عبد اللّه بن عيسى الماهانيّ قال:
دخلت يوما على إسحاق بن إبراهيم الموصليّ في حاجة، فرأيت عليه مطرف خزّ أسود ما رأيت قطّ أحسن منه؛ فتحدّثنا إلى أن أخذنا في أمر المطرف، فقال: لقد كان لكم أيّام حسنة و دولة عجيبة؛ فكيف ترى هذا؟ فقلت له: ما رأيت مثله؛ فقال: إنّ قيمته مائة ألف درهم، و له حديث عجيب؛ فقلت: ما أقوّمه إلا بنحو مائة دينار؛ فقال إسحاق: شربنا يوما من الأيام فبتّ و أنا مثخن [٤]، فانتبهت لرسول محمد الأمين، فدخل عليّ فقال: يقول لك أمير المؤمنين: عجّل؛ و كان بخيلا على الطعام، فكنت آكل قبل أن أذهب إليه؛ فقمت فتسوّكت و أصلحت شأني، و أعجلني الرسول عن الغداء فقمت معه فدخلت عليه، و إبراهيم بن المهديّ قاعد عن يمينه و عليه هذا المطرف و جبّة خزّ دكناء [٥]؛ فقال لي محمد: يا إسحاق، أ تغدّيت؟ قلت: نعم يا سيّدي؛ قال: إنك لنهم، أ هذا وقت غداء! فقلت: أصبحت يا أمير المؤمنين و بي خمار فكان ذلك مما حداني على الأكل؛ فقال لهم: كم شربنا؟ فقالوا: ثلاثة أرطال، فقال: اسقوه إياها؛ فقلت: إن رأيت أن تفرّق عليّ!؛ فقال: يسقى رطلين و رطلا؛ فدفع إليّ رطلان فجعلت أشربهما/ و أنا أتوهم أن نفسي تسيل معهما، ثم دفع إليّ رطل آخر فشربته، فكأنّ شيئا انجلى عني؛ فقال غنّني:
كليب لعمري كان أكثر ناصرا
فغنّيته، فقال: أحسنت و طرب؛ ثم قام فدخل- و كان كثيرا [ما] يدخل إلى النساء و يدعنا- فقمت في إثر
[١] استهل الصبيّ: رفع صوته بالبكاء عند الولادة.
[٢] التحنيك: أن تمضغ التمر ثم تدلكه بحنك الصبي، و في حديث النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: أنه كان يحنك أولاد الأنصار.
[٣] الملوى: من أجزاء العود (انظر الكلام على العود و أجزائه في مقدمة الجزء الأوّل من هذا الكتاب طبع دار الكتب المصرية).
[٤] في ط، ء، م: «بزير» و الزير: أحد أوتار العود.
[٥] يقال: أثخنته الجراحة: أوهنته و أضعفته، و المراد هنا غلبة السكر عليه.
[٦] الدكناء: المائلة إلى السواد.