الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٦٣ - غنى المأمون ثلاثين صوتا من أهزاج القدماء
ألا أحبب بأرض كن
ت تحتلّينها أرضا
و أهلك حبّذا ما هم
و إن أبدوا لي البغضا
/- الشعر لابن أذينة. و الغناء لابن سريج ثقيل أوّل بالسبابة في مجرى البنصر، عن إسحاق. و فيه لإسحاق هزج خفيف مطلق في مجرى البنصر، عن إسحاق أيضا. و فيه للأبجر ثقيل أوّل، و لإبراهيم الموصليّ رمل، جميع ذلك عن الهشاميّ-.
قال فغنّاه إيّاه في الثّقيل، ثم غنّاه هزجا؛ فقال له الفتح؛ لمن الثقيل؟ فقال: لابن سريج، قال: فلمن الهزج؟ قال: لهذا الهزبر [١] (يعني إسحاق)؛ فقال له الفتح: ويلك يا إسحاق! أ تعارض ثقيل ابن سريج بهزجك؟! قال: فقبض إسحاق على لحيته ثم قال: على ذلك فو اللّه ما فاتني إلّا بتحريكه الذّقن.
أخطأ المعتصم في شعر لأبي خراش فصوّبه له:
أخبرني الحسن قال حدّثني يزيد بن محمد قال حدّثني إسحاق قال:
دخلت يوما على المعتصم و عنده إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، و استدناني فدنوت منه، و استدناني فتوقّفت خوفا من أن أكون موازيا في المجلس لإسحاق بن إبراهيم؛ ففطن المعتصم فقال: إنّ إسحاق لكريم، و إنك لم تستنزل ما عند الكريم بمثل إكرامه. ثم تحدّثنا و أفضت بنا المذاكرة إلى قول أبي خراش الهذليّ:
حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا
خراش و بعض الشرّ أهون من بعض [٢]
فأنشدها المعتصم إلى آخرها، و أنشد فيها:
و لم أدر من ألقى عليه رداءه
سوى أنه قد حطّ [٣] عن ماجد محض
/ و الرواية «قد بزّ عن ماجد محض»؛ فغلطت [٤] و أسأت الأدب، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذه رواية الكتّاب و ما أخذ عن المعلّم؛ و الصحيح «بزّ عن ماجد محض»؛ فقال لي: نعم صدقت، و غمزني بعينه، يحذّرني من إسحاق؛ و فطنت لغلطي فأمسكت، و علمت أنه قد أشفق عليّ من بادرة تبدر من إسحاق؛ لأنه كان لا يحتمل مثل هذا في الخلفاء من أحد حتى يعظم عقوبته و يطيل حبسه، كائنا من كان؛ فنبّهني- رحمه اللّه- على ذلك حتى أمسكت و تنبّهت.
غنى المأمون ثلاثين صوتا من أهزاج القدماء:
أخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى قال قال عبيد اللّه بن معاوية قال عمرو بن بانة:
كنّا عند المأمون، فقال: ما أقلّ الهزج في الغناء القديم!؛ و قال إسحاق: ما أكثره! ثم غنّاه نحو ثلاثين صوتا
[١] في أ، ح، م: «الهربذ» (انظر الحاشية رقم ١ ص ٤٠٠ من هذا الجزء).
[٢] هذان البيتان من قصيدة لأبي خراش الهذليّ يرثي بها أخاه عروة بن مرة و يذكر نجاة خراش ابنه. و كان من أمرهما أن خرجا مغيرين فأسرا فقتل عروة، و قيض لخراش من ألقى عليه رداءه و هيأ له أسباب الهرب. و القصيدة مذكورة في أوّل باب المراثي من «ديوان الحماسة» لأبي تمام و «الأغاني» (ج ٢١ ص ٦٣ طبع أوروبا) و «أمالي القالي» (ج ١ ص ٢٧١ طبع دار الكتب المصرية). و في «شرح التبريزي لديوان الحماسة و «الأغاني» بيان مستفيض لقصة عروة و خراش فراجعهما.
[٣] رواية الحماسة: «على أنه قد سل».
[٤] كذا في أكثر الأصول. و في ب، س: «فغلط و أسأت ...».