الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٠٨ - قصته مع جوانويه الذي أراد أن يتعلم منه ثم سبب اتصاله بالمهدي
- و هو قليل التحصيل لما يقوله و يضمّنه كتبه- أن سبب نسبته إلى الموصل أنه كان إذا سكر، كثيرا ما يغنّي على سبيل الولع:
/
أ ناجت من طرق موصل
أحمل قلل خمريا [١]
من شارب الملوك فلا
بدّ من سكريا
و ما سمعت بهذه الحكاية إلا عنه؛ و إنما ذكرتها على غثاثتها لشهرتها عند الناس، و أنها عندهم كالصحيح من الرواية في نسبة إبراهيم إلى الموصل، فذكرته دالّا على عواره.
أخبرني الحسين بن يحيى المرداسيّ و ابن أبي الأزهر قالا حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: أسلم أبي إلى الكتّاب فكان لا يتعلّم شيئا، و لا يزال يضرب و يحبس و لا ينجع ذلك فيه، فهرب إلى الموصل و هناك تعلّم الغناء، ثم صار إلى الرّي و تعلّم بها أيضا، و مهر و تزوّج هناك امرأته دوشار- و تفسير هذا الاسم أسدان [٢]-/ و طال مقامه هناك، و أخذ الغناء الفارسيّ و العربيّ، و تزوّج بها أيضا شاهك أمّ إسحاق ابنه و سائر ولده. قال: و في دوشار هذه يقول إبراهيم، و له فيه غناء من الهزج:
دوشار يا سيّدتي
يا غايتي و منيتي
و يا سروري من جمي
ع الناس ردّي سنتي
أوّل مال وصله على الغناء من خادم لأبي جعفر، أنفقه في تعلم صنعة الغناء:
قال إسحاق و حدّثني أبي قال: أوّل شيء أعطيته بالغناء أنّي كنت بالرّيّ أنادم أهلها بالسّويّة لا أرزؤهم شيئا، و لا أنفق إلا من بقيّة مال كان معي انصرفت به من الموصل؛ فمرّ بنا خادم أنفذه أبو جعفر المنصور إلى بعض عمّاله برسالة، فسمعني عند رجل من أهل الرّيّ، فشغف بي و خلع عليّ دوّاج سمّور [٣]، له قيمة، و مضى بالرسالة و رجع و قد وصله العامل بسبعة آلاف درهم و كساه كسوة كثيرة، فجاءني إلى منزلي الذي كنت أسكنه فأقام عندي ثلاثة أيام، و وهب لي نصف الكسوة التي معه و ألفي درهم، فكان ذلك أوّل ما اكتسبته بالغناء، فقلت: و اللّه لا أنفق هذه الدراهم إلا على الصناعة التي أفادتنيها، و وصف لي رجل بالأبلّة [٤] يقال له جوانويه [٥] كان حاذقا، فخرجت إليه و صحبت فتيانها، فأخذت عنهم و غنّيتهم فشغفوا بي.
قصته مع جوانويه الذي أراد أن يتعلم منه ثم سبب اتصاله بالمهدي:
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن جدّه قال:
فلم يرفعوا المتقدّم إذ كان ناقصا، و لم ينقصوا المتأخر إذ كان زائدا، فلمثل هؤلاء تصنف الكتب و تدوّن العلوم» اه.
[١] لعل هذا الشعر من لغة العامة في ذلك العهد ك «الأغاني» التي يتغنى بها العامة الآن.
[٢] الأسد بالفارسية: «شر». و لعل «شار» لغة أو لهجة في هذه اللفظة. و «دو» بمعنى اثنين.
[٣] دوّاج سمور: ضرب من الثياب يتخذ من جلد حيوان يشبه السنور و هي فراء ثمينة تتخذ للينها و خفتها و إدفائها و حسنها. و في س:
«دراج سمور» بالراء، و هو تحريف.
[٤] الأبلة (بضم الهمزة و الباء الموحدة و تشديد اللام و فتحها): بلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة البصرة، و هي أقدم من البصرة، لأن البصرة مصرت في أيام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، و كانت الأبلة حينئذ مدينة فيها مسالح من قبل كسرى و قائد.
[٥] في م: «خولويه».