الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٩١ - مناظرته إبراهيم بن المهدي في الغناء بين يدي المعتصم
صوت
أ من آل ليلى عزفت الطّلولا
بذي حرض [١] ما ثلات مثولا
بلين و تحسب آياتهنّ
عن فرط حولين رقا محيلا [٢]
- الشعر لكعب بن زهير [٣]. و الغناء لإسحاق، و له فيه لحنان: ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر، و ماخوريّ بالوسطى. و فيه للزّبير بن دحمان خفيف ثقيل- قال: فجاءنا إسحاق يوما، و أقام عند أبي، و أخرجنا إليه جوارينا، و مرّ الصوت الذي طرحه إبراهيم/ بن المهديّ من غنائه؛ فقال إسحاق: من أين لك هذا؟ قال: طرحه أبو إسحاق إبراهيم بن المهديّ أعزّه اللّه تعالى؛ فقال إسحاق: و ما لأبي إسحاق أعزّه اللّه و لهذا الصوت! هذا أنا صنعته، و ليس هو كما طرّحه. قال: فسأله أبي أن يغنّيه، فغنّاه و ردّده [٤] حتى صحّ لمن عنده؛ فقال لي أبي: اكتب إلى أبي إسحاق أن أبا محمد أعزّه اللّه صار إليّ فاحتبسته، و أنه غنّى بحضرتي الصوت الذي ألقيته في منزلك الذي أسكنه، فزعم أنه صنعه، و أنه ليس على ما أخذه الجواري عنك، فأحببت أن أعلم ما عندك، جعلني اللّه فداك. قال: فكتبت [٥] الرّقعة و أنفذتها إلى إبراهيم. فكتب: نعم، جعلت فداك، صدّق أبو محمد أعزّه اللّه، الصوت له، و هو على ما ذكره، لكنّي لعبت في وسطه لعبا أعجبني. قال: فقرأ إسحاق الرقعة فغضب غضبا شديدا، ثم قال لي: اكتب إليه: «إذا أردت يا هذا أن تلعب فالعب في غناء نفسك لا في غناء الناس، و ما حاجتك إلى هذا الشعر أكثر من ذلك، فاصنع أنت إن كنت تحسن، و العب في صنعتك كما تشتهي مبتدئا باللهو و اللعب غير مشارك في جدّ الناس بلعبك و مفسد له بما لا تعلمه. يا أبا/ إسحاق، أيّدك اللّه، ليس هذا الصوت مما يتهيّأ لك أن تمخرق [٦] فيه و تقول: جندرته». قال: و كان إبراهيم يقول: إنه يجندر صنعة القدماء و يحسّنها.
مناظرته إبراهيم بن المهدي في الغناء بين يدي المعتصم:
قال عليّ بن محمد حدّثني جدّي حمدون:
أن إسحاق قال لإبراهيم بن المهديّ بحضرة المعتصم: ما تقول فيمن يزعم أنّ ابن سريج و ابن محرز و معبدا و مالكا و ابن عائشة لم يكونوا يحسنون تمام الصّنعة/ و لا استيفاء الغناء، و يعجزون عما به يكمل و يتمّ و يحسن،
[١] ذو حرض: واد لبني عبد اللّه بن غطفان، بينه و بين معدن النقرة خمسة أميال. (انظر «معجم ياقوت» في اسم ذي حرض و النقرة).
[٢] فرط الشيء: مضى و ذهب. و أحال: أتى عليه أحوال أي سنون.
[٣] ورد هذا الشعر في «ديوان زهير بن أبي سلمى» و «شرحه» للأعلم الشنتمري و ثعلب و غيرهما من النسخ المخطوطة و المطبوعة المحفوظة بدار الكتب المصرية ضمن قصائده، و قد مدح به سنان بن أبي حارثة أبا هرم و هما ممدوحاه و لم يكونا ممدوحي كعب حيث يقول فيه:
إليك سنان الغداة الرحي
ل أعصى النهاة و أمضى الفئولا
كما ذكره لزهير أيضا أبو عبيد البكري و ياقوت الحموي في معجميهما أثناء كلامهما على «حرض»، و ذكره المؤلف له أيضا في ترجمته (ج ٩ ص ١٥٢ طبع بولاق) و قد ورد في جميع هذه المصادر «سلمى» بدل «ليلى» و سلمى هذه محبوبته التي يشبب بها في شعره.
[٤] كذا في ح. و في سائر الأصول: «فردده» بالفاء بدل الواو.
[٥] كذا في ح. و في سائر الأصول: «فكتبته الرقعة»، و هو تحريف.
[٦] مخرق: موّه. و جندره: أصلحه و صقله. قال في «اللسان» (مادة جدر): «قال الجوهري: و جندرت الكتاب إذا أمررت القلم على ما درس منه ليتبين. و كذلك الثوب إذا أعدت وشيه بعد ما كان ذهب، قال: و أظنه معرّبا».