الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٩٠ - أخذ إبراهيم بن المهدي صوتا له و غير فيه فلما عرف ذلك غضب
فأنت أعلم؛ قال: أفعل ذلك لموضعك على ما فيه عليّ؛ ثم أتيت إبراهيم، و جلست عنده مليّا، و تجارينا [١] الحديث إلى أن خرجنا إلى ذكر الغناء، فخاطبته بما قال لي إسحاق، فتغيّر لونه و انكسر، ثم قال: يا محمد، ليس هذا من كلامك، هذا من كلام الجرمقانيّ [٢] ابن الزانية؛ قل له عنّي: أنتم تصنعون هذا للصناعة، و نحن نصنعه للّهو و اللعب و العبث. قال: فخرجت إلى إسحاق فحدّثته بذلك فقال: الجرمقانيّ و اللّه منا أشبهنا بالجرامقة لغة و هو الذي يقول: «ذهبتو»؛ و أقام عندي يومه فرحا بما بلّغته إبراهيم عنه من توقيفه على/ خطئه.
كان محمد بن راشد صديقا له فنقل عنه حديثا لابن المهدي ففسد ما بينهما و شعره في ذلك:
قال عليّ بن محمد قال لي أبي:
كان محمد بن راشد صديقا لإسحاق ثم فسد ما بينهما؛ فإنه طابق [٣] إبراهيم بن المهديّ عليه، و بلغه عنه من توقيعه أنه يذكره. و كان في محمد بن راشد رداءة و نقل للأحاديث؛ فقال فيه إسحاق:
و ندمان صدق لا تخاف أذاته
و لا يلفظ الأخبار لفظ ابن راشد
دعاني إلى ما يشتهي فأجبته
إجابة محمود الخلائق ماجد
فلا خير في اللّذات إلّا بأهلها
و لا عيش إلا بالخليل المساعد
قال: فجمع ابن راشد عدّة من الشعراء و أمرهم بهجاء إسحاق؛ فهجوه بأشعار لم تبلغ مراده، فلم يظهرها.
و بلغ ذلك إسحاق فقال فيه:
/
و أبيات شعر رائعات كأنها
إذا أنشدت في القوم من حسنها سحر
تحفّز و اقلولى [٤] لردّ جوابها
أبو جعفر يغلي كما غلت القدر
فلم يستطعها غير أن قد أعانه
عليها أناس كي يكون له ذكر
فيا ضيعة الأشعار إذ يقرضونها
و أضيع منها من يرى أنها شعر
قال: فعاذ محمد بن راشد بإسحاق و استكفّه و صالحه، فرجع إليه.
أخذ إبراهيم بن المهدي صوتا له و غير فيه فلما عرف ذلك غضب:
أخبرني عمّي قال حدّثني عليّ بن محمد بن نصر الشاميّ قال حدّثني منصور بن محمد بن واضح:
أن إبراهيم بن المهديّ طرح في منزل أبيه:
[١] كذا في الأصول، و لعله «تجاذبنا الحديث».
[٢] راجع الحاشية رقم ٣ ص ٢٠٧ من هذا الجزء.
[٣] طابقه على الأمر: وافقه و مالأه.
[٤] كذا في ح، و كذلك صححها الأستاذ الشنقيطي في نسخته. و تحفز الرجل و اقلولى: إذا استقل على رجليه و لما يستو قائما و قد تهيأ للوثوب. و في سائر الأصول: «تحفر» (بالراء المهملة)، و هو تصحيف.