الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٥٣ - فسد ما بينه و بين الأصمعي و سبب ذلك و نتائجه و شعره فيه
معمر بن المثنّى بالثقة و الصدق و السماحة و العلم؛ و فعل مثل ذلك للفضل بن الرّبيع و استعان به؛ و لم يزل حتى وضع مرتبة الأصمعيّ و أسقطه عندهم، و أنفذوا إلى أبي عبيدة من أقدمه.
أخبرني أبو الحسن الأسديّ قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال:
أنشدت الفضل بن الرّبيع أبياتا كان الأصمعيّ أنشدنيها في صفة فرس:
كأنه في الجلّ [١] و هو سامي
مشتمل [٢] جاء من الحمّام
/ يسور [٣] بين السّرج و اللّجام
سور القطاميّ [٤] إلى اليمام
قال: و دخل الأصمعيّ فسمعني أنشدها، فقال: هات بقيّتها؛ فقلت له: أ لم تقل إنه لم يبق منها شيء؟ فقال:
ما بقي منها إلّا عيونها، ثم أنشد بعد هذه الأبيات ثلاثين بيتا منها، فغاظني فعله؛ فلمّا خرج عرّفت الفضل بن الربيع قلّة شكره لعارفة [٥] و بخله بما عنده؛ و وصفت له فضل أبي عبيدة معمر بن المثنّى و علمه و نزاهته و بذله لما عنده و اشتماله على جميع علوم العرب، و رغّبته فيه، حتى أنفذ إليه مالا جليلا و استقدمه؛ فكنت سبب مجيئه به من البصرة.
أخبرني عمّي قال حدّثنا فضل اليزيديّ عن إسحاق قال:
/ جاء عطاء الملك بجماعة من أهل البصرة إلى قريب أبي الأصمعيّ، و كان ندلا من الرجال، فوجده ملتفّا في كسائه نائما في الشمس، فركضه برجله و صاح به: يا قريب، قم ويلك! فقال له: هل لقيت أحدا من أهل العلم قطّ أو من أهل اللغة أو من العرب أو من الفقهاء أو من المحدّثين؟ قال: لا و اللّه؛ قال: و لا سمعت شيئا ترويه لنا أو تنشدناه أو نكتبه عنك؟ قال: لا و اللّه؛ فقال لمن حضر: هذا أبو الأصمعيّ، فاشهدوا لي عليه و على ما سمعتم منه، لا يقل لكم غدا أو بعده: حدّثني أبي أو أنشدني أبي؛ ففضحه. قال الفضل: ثم مرض الأصمعيّ، و كان الحال بينه و بين إسحاق الموصليّ انفرجت؛ فعاده أبو ربيعة، و كان يرغب في الأدب و يبرّ أهله؛ فقال له الأصمعيّ: أقرضني خمسة آلاف درهم؛ فقال: أفعل. فقال له أبو ربيعة: فأيّ شيء تشتهي سوى هذا؟ فقال: أشتهي أن تهدي إليّ فصّا حسنا و سيفا قاطعا و بردا [٦] حسنا و سرجا محلّى؛ فقال: أفعل، و بعث بذلك إليه لمّا عاد إلى منزله. و بلغ ذلك إسحاق فقال:
أ ليس من العجائب أنّ قردا
أصيمع باهليّا يستطيل
و يزعم أنه قد كان يفتي
أبا عمرو [٧] و يسأله الخليل [٨]
[١] الجل للدابة: كالثوب للإنسان تصان به. و قد وردت هذه الكلمة في ب، س: «الحل» بالحاء المهملة، و هو تصحيف.
[٢] اشتمل الرجل: تلفف بثوبه و أداره على جسده كله.
[٣] يسور: يثب و يثور.
[٤] القطامي (بفتح أوّله و يضم): الصقر.
[٥] العارفة: المعروف.
[٦] كذا في ح: و في سائر الأصول: «برذونا». و الشعر الآتي يؤيد ما أثبتناه.
[٧] هو أبو عمرو بن العلاء أحد أئمة اللغة و الأدب، كان إمام أهل البصرة في القراءات و النحو و اللغة، أخذ عن جماعة من التابعين؛ قال أبو عبيدة: أبو عمرو أعلم الناس بالقراءات و العربية و أيام العرب و الشعر؛ و كان من أشراف العرب و وجهائها، مدحه الفرزدق و وثقه يحيى بن معين و غيره. مات سنة أربع و قيل: سنة تسع و خمسين و مائة.
[٨] هو الخليل بن أحمد اللغوي النحوي العروضي، الذي ابتدع علم العروض. مات سنة سبعين و مائة و قيل: سنة خمس و سبعين.