الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٥٣ - كان أحد من يتصرفون في كل مذهب من الأغاني
تشرّب قلبي حبّها و مشى به
تمشّي حميّا الكأس في جسم شارب
و دبّ هواها في عظامي فشفّها
كما دبّ في الملسوع سمّ العقارب
قال: ففطن بتعريضي، و كانت جهالة منّي؛ قال: فأمرني بالانصراف، و لم يدعني شهرا و لا حضرت مجلسه؛ فلما كان بعد شهر دسّ إليّ خادما معه رقعة، فيها مكتوب:
قد تخوّفت أن أموت من الوج
د و لم يدر من هويت بما بي
/ يا كتابي فأقر السّلام على من
لا أسمّي و قل له يا كتابي
إنّ كفّا إليك قد بعثتني [١]
في شقاء مواصل و عذاب
فأتاني الخادم بالرقعة؛ فقلت له: ما هذا؟ قال: رقعة الجارية فلانة التي غنّتك بين يدي أمير المؤمنين؛ فأحسنت القصّة فشتمت الخادم و وثبت عليه و ضربته ضربا شفيت به نفسي و غيظي، و ركبت إلى الرشيد من فوري فأخبرته القصّة/ و أعطيته الرقعة؛ فضحك حتى كاد يستلقى، ثم قال: على عمد فعلت ذلك بك لأمتحن مذهبك و طريقتك، ثم دعا بالخادم؛ فلما خرج رآني فقال لي: قطع اللّه يديك و رجليك، ويحك! قتلتني؛ فقلت: القتل و اللّه كان بعض حقّك لما وردت به عليّ، و لكن رحمتك فأبقيت عليك، [و أخبرت أمير المؤمنين ليأتي في عقوبتك بما تستحقه. فأمر لي الرشيد بصلة سنيّة] [٢]؛ و اللّه يعلم أني ما فعلت الذي فعلت عفافا و لكن خوفا.
سأله الرشيد كيف يصنع ألحانه فأجابه:
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني حمّاد بن إسحاق قال:
أخبرني أبي أنه سمع الرشيد و قد سأل جدّي إبراهيم كيف يصنع إذا أراد أن يصوغ الألحان، فقال:
يا أمير المؤمنين، أخرج الهمّ من فكري و أمثّل الطرب بين عينيّ، فتسوغ [٣] لي مسالك الألحان [التي أريد] [٣] فأسلكها بدليل الإيقاع، فأرجع مصيبا ظافرا بما أريد؛ فقال: يحقّ لك يا إبراهيم أن تصيب و تظفر، و إنّ حسن وصفك لمشاكل حسن صنعتك و غنائك.
فراسة يونس الكاتب فيه:
أخبرني ابن المرزبان قال حدّثني حمّاد عن أبيه عن جدّه قال:
أدركت يونس الكاتب و هو شيخ كبير فعرضت عليه غنائي؛ فقال: إن عشت كنت مغنّي دهرك.
كان أحد من يتصرّفون في كل مذهب من الأغاني:
قال حمّاد قال لي محمد بن الحسن: كان لكلّ واحد من المغنّين مذهب في الخفيف و الثقيل، و كان معبد ينفرد بالثقيل، و ابن سريج بالرّمل، و حكم بالهزج،/ و لم يكن في المغنّين أحد يتصرّف في كل مذهب من الأغاني إلا ابن سريج و إبراهيم جدّك و أبوك إسحاق.
[١] في ط، ء و «مختار الأغاني»: «إن كفا إليكم كنيتني».
[٢] الزيادة عن ط، ء. و «مختار الأغاني».
[٣] كذا في ط، ء. و في ح: «فيشرع». و في سائر الأصول: «فيسرع».