الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٢٤ - طلب إليه موسى الهادي أن يغنيه و له حكمه
ثم قال لي: امض إلى جعفر فافعل به كما فعلت بأخيه و أبيه؛ قال: فمضيت ففعلت مثل ذلك و خبّرته ما كان منهما و عرضت عليه الصوت، فسر به و دعا خادما فأمره بضرب الستارة و أحضر الجارية و قعد على كرسيّ، ثم قال: هات يا مخارق؛ فاندفعت فألقيت الصوت عليها حتى أخذته؛ فقال: أحسنت و اللّه يا مخارق و أحسن أستاذك، فهل لك في المقام عندنا اليوم؟ فقلت: يا سيّدي هذا آخر أيّامنا، و إنما جئت لموقع الصوت منّي حتى ألقيته على الجارية؛ فقال: يا غلام احمل معه ثلاثين ألف درهم و إلى الموصليّ ثلاثمائة ألف درهم؛ فصرت إلى منزلي بالمال، فأقمت و من معي مسرورين نشرب بقيّة يومنا و نطرب، ثم بكّرت إلى إبراهيم فتلقّاني قائما و قال لي: أحسنت يا مخارق؛ فقلت: ما الخبر؟ فقال: اجلس فجلست، فقال لمن خلف الستارة: خذوا فيما أنتم فيه، ثم رفع السّجف فإذا المال؛ فقلت: ما خبر الضّيعة؟ فأدخل يده تحت مسورة [١] هو متّكئ عليها فقال: هذا صكّ الضيعة، سئل عن صاحبها فوجد ببغداد، فاشتراها منه يحيى بن خالد، و كتب إليّ: قد علمت أنك لا تسخو [٢] نفسا بشراء الضيعة من مال يحصل لك و لو حيزت لك الدّنيا كلّها، و قد ابتعتها لك من مالي و وجّهت لك بصكّها؛ و وجّه إليّ بصكها و هذا المال كما ترى؛ ثم بكى و قال لي: يا مخارق إذا عاشرت فعاشر مثل هؤلاء، و إذا خنكرت فخنكر [٣] لمثل هؤلاء؛/ هذه ستّمائة ألف و ضيعة بمائة ألف و ستون ألف درهم لك، حصّلنا ذلك أجمع و أنا جالس في مجلسي لم أبرح منه،/ فمتى يدرك مثل هؤلاء!.
طلب إليه موسى الهادي أن يغنيه و له حكمه:
أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال أخبرني أبي عن إسحاق قال:
كان موسى الهادي شكس الأخلاق صعب المزاج [٤]، من توقّاه و عرف أخلاقه أعطاه ما أمّل، و من فتح فاه فاتّفق له أن يفتحه بغير ما يهواه أقصاه و اطّرحه، فكان [٥] لا يحتجب عن ندمائه و لا عن المغنّين، و كان يكثر جوائزهم و صلاتهم و يواترها [٦]؛ فتغنّى أبي عنده يوما؛ فقال له: يا إبراهيم غنّني جنسا من الغناء ألذّ به و أطرب له و لك حكمك؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إن لم يقابلني زحل ببرده رجوت أن أصيب ما في نفسك. قال: و كنت لا أراه يصغي إلى شيء من الأغاني إصغاءه إلى النّسيب و الرّقيق منه، و كان مذهب ابن سريج عنده أحمد من مذهب معبد، فغنّيته [٧]:
و إنّي لتعروني لذكراك هزّة [٨]
كما انتفض العصور بلّله القطر
[١] المسورة: الوسادة من جلد.
[٢] في ط، ء: «لا تسخو نفسك».
[٣] لعله يريد: إذا غنيت فغن لمثل هؤلاء، فقد ورد في «الأغاني» (ج ١٧ ص ١٢٣ طبعة بولاق) في تعنيف الفضل بن الربيع لحفيده عبد اللّه بن عباس على تعلمه الغناء: «... و فضحت آباءك في قبورهم و سقطت الأبد إلا من المغنين و طبقة الخيناكرين». و قال صاحب «كتاب الألفاظ الفارسية المعربة»، بعد أن أشار إلى هذه القصة: «هي جمع خيناگر و معناه المغني». و أخبرنا ممن لديهم معرفة باللغة الفارسية أن «الخيناكر» هو المغني المضحك.
[٤] كذا في ح، م. و في سائر الأصول: «المرام».
[٥] لعله: «و كان» بالواو.
[٦] واتر الصلات و غيرها: جعل بعضها يتبع بعضا.
[٧] في ب، س: «فغنيته قوله» بزيادة كلمة «قوله»، و لعلها زيدت سهوا من الطابع.
[٨] كذا في هامش ح، و «الأمالي» (ح ١ ص ١٤٩ طبع دار الكتب المصرية)، و هي الرواية المشهورة في هذا البيت و التي تلائم الشطر